قوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون اختلف في معنى لا يمسه هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى ؟ وكذلك اختلف في المطهرون من هم ؟ فقال أنس وسعيد وابن جبير : لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة .
وكذا قال أبو العالية وابن زيد : إنهم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم ، فجبريل النازل به مطهر ،
والرسل الذين يجيئهم بذلك مطهرون . الكلبي : هم السفرة الكرام البررة .
وهذا كله قول واحد ، وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال : أحسن ما سمعت في قوله :
لا يمسه إلا المطهرون أنها بمنزلة الآية التي في ( عبس وتولى ) : فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة يريد أن المطهرين هم الملائكة الذين وصفوا بالطهارة في سورة ( عبس ) . وقيل :
معنى لا يمسه لا ينزل به إلا المطهرون أي : الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء . وقيل :
لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون . وقيل : إن إسرافيل هو الموكل بذلك ؛
حكاه القشيري . ابن العربي : وهذا باطل لأن الملائكة لا تناله في وقت ولا تصل إليه بحال ،
ولو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه مجال . وأما من قال : إنه الذي بأيدي الملائكة في الصحف فهو قول محتمل ،
وهو اختيار مالك . وقيل : المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا ،
وهو الأظهر . وقد روى مالك وغيره أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسخته : من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد وكان في كتابه :
ألا يمس القرآن إلا طاهر . وقال ابن عمر : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر . وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة : لا يمسه إلا المطهرون فقام واغتسل وأسلم .
وقد مضى في أول سورة ( طه ) . وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره : لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس .
الكلبي : من الشرك . الربيع بن أنس :
من الذنوب والخطايا . وقيل : معنى لا يمسه لا يقرؤه إلا المطهرون إلا الموحدون ؛
قاله محمد بن فضيل وعبدة . قال عكرمة : كان ابن عباس ينهى أن يمكن أحد من اليهود والنصارى من قراءة القرآن ،
وقال الفراء : لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون ، أي :
المؤمنون بالقرآن . ابن العربي : وهو اختيار البخاري ،
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا . وقال الحسين بن الفضل :
لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق . وقال أبو بكر الوراق : لا يوفق للعمل به إلا السعداء .
وقيل : المعنى لا يمس ثوابه إلا المؤمنون . ورواه معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم قيل : ظاهر الآية خبر عن الشرع ، أي :
لا يمسه إلا المطهرون شرعا ، فإن وجد خلاف ذلك فهو غير الشرع ، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي .
وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر . وقد مضى هذا المعنى في سورة ( البقرة ) . المهدوي :
يجوز أن يكون أمرا وتكون ضمة السين ضمة إعراب . ويجوز أن يكون نهيا وتكون ضمة بناء السين ضمة بناء والفعل مجزوم .واختلف العلماء في مس المصحف على غير وضوء ، فالجمهور على المنع من مسه لحديث عمرو بن حزم .
وهو مذهب علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد ، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي . واختلفت الرواية عن أبي حنيفة ،
فروي عنه أنه يمسه المحدث ، وقد روي هذا عن جماعة من السلف منهم ابن عباس والشعبي وغيرهما . وروي عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه وما لا مكتوب فيه ،
وأما الكتاب فلا يمسه إلا طاهر . ابن العربي : وهذا إن سلمه مما يقوي الحجة عليه ،
لأن حريم الممنوع ممنوع . وفيما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أقوى دليل عليه . وقال مالك :
لا يحمله غير طاهر بعلاقة ولا على وسادة . وقال أبو حنيفة : لا بأس بذلك .
ولم يمنع من حمله بعلاقة أو مسه بحائل . وقد روي عن الحكم وحماد وداود بن علي أنه لا بأس بحمله ومسه للمسلم والكافر طاهرا أو محدثا ، إلا أن داود قال :
لا يجوز للمشرك حمله . واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ، وهو موضع ضرورة فلا حجة فيه .
وفي مس الصبيان إياه على وجهين ، أحدهما : المنع اعتبارا بالبالغ .
والثاني : الجواز ، لأنه لو منع لم يحفظ القرآن ؛
لأن تعلمه حال الصغر ؛ ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة ، لأن النية لا تصح منه ،
فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة جاز أن يحمله محدثا .