العودة للسورة النبأ

تفسير سورة النبأ - الآية 28

السورة 78
الآية 28
40 آيات
28

وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا كِذَّابࣰا

التفاسير العلمية(8)

|

إنهم كانوا لا يخافون يوم الحساب فلم يعملوا له، وكذَّبوا بما جاءتهم به الرسل تكذيبا، وكلَّ شيء علمناه وكتبناه في اللوح المحفوظ،

فذوقوا -أيها الكافرون- جزاء أعمالكم، فلن نزيدكم إلا عذابًا فوق عذابكم.

«وكذبوا بآياتنا» القرآن «كِذَّابا» تكذيبا.

وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا أي: كذبوا بها تكذيبا واضحا صريحا وجاءتهم البينات فعاندوها.

ثم قال : ( إنهم كانوا لا يرجون حسابا ) أي : لم يكونوا يعتقدون أن ثم دارا يجازون فيها ويحاسبون ،

( وكذبوا بآياتنا كذابا ) أي : وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله ، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة .وقوله :

( كذابا ) أي : تكذيبا ، وهو مصدر من غير الفعل .

قالوا : وقد سمع أعرابي يستفتي الفراء على المروة : الحلق أحب إليك أو القصار ؟ وأنشد بعضهم :لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي وعن حوج قضاؤها من شفائيا

وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً ) أى : إن هؤلاء الطغاة كانوا فى الدنيا لا يخافون حسابنا ، ولا يفكرون فيه ،

بل كانوا يكذبون به ، وبكل ما جاءهم به رسولنا تكذيبا عظيما .وقوله : ( كِذَّاباً ) مصدر كذب ،

ومجئ فِعَّال بمعنى تفعيل فى مصدر فعَّل فصيح شائع الغاية فى قبحه وإفراطه . وهو منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله .قال صاحب الكشاف : قوله :

( كِذَّاباً ) أى : تكذيبا . وفِعَّال فى باب فَعَّل ،

كله فاش فى كلام فصحاء العرب لا يقولون غيره . وهو مصدر كذَّب . .

"وكذبوا بآياتنا"، أي بما جاءت به الأنبياء، "كذاباً"،

تكذيباً، قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة،

يقولون في مصدر التفعيل فعال وقال: قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني: الحلق أحب إليك أم القصار؟.

وكذبوا بآياتنا كذابا أي بما جاءت به الأنبياء . وقيل : بما أنزلنا من الكتب .

وقراءة العامة كذابا بتشديد الذال ، وكسر الكاف ، على كذب ،

أي كذبوا تكذيبا كبيرا . قال الفراء : هي لغة يمانية فسيحة ; يقولون :

كذبت به كذابا ، وخرقت القميص خراقا ; وكل فعل في وزن ( فعل ) فمصدره فعال مشدد في لغتهم ; وأنشد بعض الكلابيين :لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي وعن حوج قضاؤها من شفائناوقرأ علي - رضي الله عنه - ( كذابا ) بالتخفيف وهو مصدر أيضا . وقال أبو علي :

التخفيف والتشديد جميعا : مصدر المكاذبة ، كقول الأعشى :فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابهأبو الفتح :

جاءا جميعا مصدر كذب وكذب جميعا . الزمخشري : ( كذابا ) بالتخفيف مصدر كذب ; بدليل قوله :فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابهوهو مثل قوله :

أنبتكم من الأرض نباتا يعني وكذبوا بآياتنا أفكذبوا كذابا . أو تنصبه ب " كذبوا " . لأنه يتضمن معنى كذبوا ; لأن كل مكذب بالحق كاذب ; لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين ،

وكان المسلمون عندهم كاذبين ، فبينهم مكاذبة . وقرأ ابن عمر ( كذابا ) بضم الكاف والتشديد ،

جمع كاذب ; قاله أبو حاتم . ونصبه على الحال الزمخشري . وقد يكون الكذاب :

بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، يقال : رجل كذاب ،

كقولك حسان وبخال ، فيجعله صفة لمصدر كذبوا أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه . وفي الصحاح :

وقوله تعالى : وكذبوا بآياتنا كذابا وهو أحد مصادر المشدد ; لأن مصدره قد يجيء على ( تفعيل ) مثل التكليم وعلى ( فعال ) كذاب وعلى ( تفعلة ) مثل توصية ، وعلى ( مفعل ) ; ومزقناهم كل ممزق .

وقوله: (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا) يقول تعالى ذكره: وكذّب هؤلاء الكفار بحُججِنا وأدلتنا تكذيبا.

وقيل: (كِذَّابًا) ، ولم يقل تكذيبا تصديرا على فعله.وكان بعض نحويِّي البصرة يقول:

قيل ذلك لأن فعل منه على أربعة فأراد أن يجعله مثل باب أفعلت، ومصدر أفعلت إفعالا فقال: كذّابا،

فجعله على عدد مصدره، قال: وعلى هذا القياس تقول:

قاتل قتالا قال: وهو من كلام العرب. وقال بعض نحويِّي الكوفة:

هذه لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذّبت به كذّابا،

وخَرَّقت القميص خِرَّاقا، وكلٌّ فَعَّلْت فمصدرها فِعَّال بلغتهم مشدّدة. قال:

وقال لي أعرابي مرّة على المروة يستفتيني: ألحلق أحبّ إليك أم القِصَّار؟ قال: وأنشدني بعض بنِي كلاب:لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحَابَتِيوَعَنْ حِوَجٍ قِضَّاؤُها مِنْ شِفائِيَا (9)وأجمعت القرّاء على تشديد الذال من الكِذّاب في هذا الموضع.

وكان الكسائي خاصة يخفِّف الثانية، وذلك في قوله: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا ويقول:

هو من قولهم: كاذبته كِذّابا ومكاذبة، ويشدّد هذه،

ويقول قوله: (كَذَّبُوا) يقيد الكذّاب بالمصدر.----------------------الهوامش :(9) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 355 ) قال : وقوله :

وكذبوا بآياتنا كذابا : خففها علي بن أبي طالب ( كذابا ) ، وثقلها عاصم والأعمش وأهل المدينة والحسن البصري ،

وهي لغة يمانية فصيحة ، يقولون : كذبت به كذابا ،

وخرقت القميص خراقا ، وكل فعلت ( بتشديد العين ) فمصدره فعال في لغتهم مشدد ، وأنشدني بعض بني كلاب :

" لقد طال ما ثبطتني ... " البيت . وكان الكسائي يخفف لا يسمهون فيها لغوا ولا كذابا ؛

لأنها ليست مقيدة بفعل يصيرها مصدرا ، ويشدد في وكذبوا بآياتنا كذابا ؛ لأن كذبوا يقيد الكذاب بالمصدر ،

والذي قال حسن ، ومعناه : لا يسمعون فيها لغوا يقول :

باطلا ، ولا كذابا لا يكذب بعضهم بعضا . وفي ( اللسان :

قضي ) وقوله : أنشده أبو زيد : " لقد طالما لبثتني ...

" البيت . قال ابن سيده : هو عندي من قضي ( بالتشديد ) ككذاب من كذب .

قال : ويحتمل أن يريد : اقتضاؤها ،

فيكون من باب قتال ( بتشديد التاء ) كما حكاه سيبويه في اقتتال . ا ه .