دعني -أيها الرسول- وهؤلاء المكذبين بآياتي أصحاب النعيم والترف في الدنيا، ومهِّلهم زمنًا قليلا بتأخير العذاب عنهم حتى يبلغ الكتاب أجله بعذابهم.
تفسير سورة المزمل - الآية 11
وَذَرۡنِی وَٱلۡمُكَذِّبِینَ أُو۟لِی ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِیلًا
التفاسير العلمية(8)
«وذرني» اتركني «والمكذبين» عطف على المفعول معه والمعنى أنا كافيكهم وهم صناديد قريش «أُولي النعمة» التنعم «ومهلهم قليلا» من الزمن فقتلوا بعد يسير منه ببدر.
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أي: اتركني وإياهم، فسأنتقم منهم،
وإن أمهلتهم فلا أهملهم، وقوله: أُولِي النَّعْمَةِ أي:
أصحاب النعمة والغنى، الذين طغوا حين وسع الله عليهم من رزقه، وأمدهم من فضله كما قال تعالى:
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى .ثم توعدهم بما عنده من العقاب، فقال:
( وذرني والمكذبين أولي النعمة ) أي : دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال ، فإنهم على الطاعة أقدر من غيرهم وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم ،
( ومهلهم قليلا ) أي : رويدا ، كما قال :
( نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) [ لقمان : 24 ] ; ولهذا قال هاهنا :
وقوله- سبحانه-: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا أى: ودعني وشأنى مع هؤلاء المكذبين بالحق،
ولا تهتم أنت بأمرهم، فأنا خالقهم، وأنا القادر على كل شيء يتعلق بهم.وقوله:
أُولِي النَّعْمَةِ وصف لهم جيء به على سبيل التوبيخ لهم، والتهكم بهم، حيث جحدوا نعم الله،
وتوهموا أن هذه النعم من مال أو ولد ستنفعهم يوم القيامة.والنّعمة- بفتح النون مع التشديد-: تطلق على التنعم والترفه وغضارة العيش في الدنيا.وأما النّعمة- بكسر النون- فاسم للحالات الملائمة لرغبة الإنسان من غنى أو عافية أو نحوهما.وأما النّعمة- بالضم- فهي اسم المسرة. يقال:
فلان في نعمة- بضم النون- أى: في فرح وسرور.وقوله: وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا أى:
واتركهم ودعهم في باطلهم وقتا قليلا، فسترى بعد ذلك سوء عاقبة تكذيبهم للحق.
"وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً"، نزلت في صناديد قريش المستهزئين. وقال مقاتل بن حيان:
نزلت في المطعمين ببدر ولم يكن إلا يسر حتى قتلوا ببدر.
قوله تعالى : وذرني والمكذبين أي ارض بي لعقابهم . نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين .
وقال مقاتل : نزلت في المطعمين يوم بدر وهم عشرة . وقد تقدم ذكرهم في ( الأنفال ) .
وقال يحيى بن سلام : إنهم بنو المغيرة . وقال سعيد بن جبير أخبرت أنهم اثنا عشر رجلا .أولي النعمة أي أولي الغنى والترفه واللذة في الدنيا ومهلهم قليلا يعني إلى مدة آجالهم .
قالت عائشة - رضي الله عنها - : لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيرا حتى وقعت وقعة بدر . وقيل :
ومهلهم قليلا يعني إلى مدة الدنيا .
يعني تعالى ذكره بقوله: ( وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ ) فدعني يا محمد والمكذّبين بآياتي ( أُولِي النَّعْمَةِ ) يعني أهل التنعم في الدنيا( وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا ) يقول: وأخرهم بالعذاب الذي بسطته لهم قليلا حتى يبلغ الكتاب أجله.وذُكر أن الذي كان بين نزول هذه الآية وبين بدر يسير.* ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب بن إبراهيم،
قال: ثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق،
عن ابن عباد، عن أبيه، عن عباد،
عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: لما نزلت هذه الآية:
( وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا )... الآية، قال:
لم يكن إلا يسير حتى كانت وقعة بدر.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد،
قال: ثنا سعيد، عن قتادة،
قال الله: ( وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا ) يقول: إن لله فيهم طَلبة وحاجة.وقوله:
( إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا ) يقول تعالى ذكره: إن عندنا لهؤلاء المكذِّبين بآياتنا أنكالا يعني قيودا، واحدها:
نِكْل.وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك: