وجواب القسم قوله : ( مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) .أى : وحق القلم الذى يكتب به الكاتبون من مخلوقاتنا المتعددة ،
إنك - أيها الرسول الكريم - لمبرأ مما اتهمك به أعداؤك من الجنون ، وكيف تكون مجنونا وقد أنعم الله - تعالى - عليك بالنبوة والحكمة .فالمقصود بالآيات الكريمة تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المشركين ، ودفع تهمهم الباطلة دفعا يأتى عليها من القواعد فيهدمها ،
وإثبات أنه رسول من عنده - تعالى - .وأقسم - سبحانه - بالقلم ، لعظيم شرفه ، وكثرة منافعه ،
فبه كتبت الكتب السماوية ، وبه تكتب العلوم المفيدة . .
وبه يحصل التعارف بين الناس . .وصدق الله إذ يقول : ( اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم .
الذى عَلَّمَ بالقلم . عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ ) قال القرطبى : أقسم - سبحانه - بالقلم .
لما فيه من البيان كاللسان . وهو واقع على كل قلم مما يكتب به من السماء من فى الأرض ، ومنه قول أبى الفتح البستى :إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ...
وعدُّوه مما يُكْسِبُ المجد والكرَمْكفى قلم الكتاب عزا ورفعة ... مدى الدهر أن الله أقسم بالقلَمْوالضمير فى قوله : ( يَسْطُرُونَ ) راجع إلى غير مذكور فى الكلام ،
إلا أنه معلوم للسامعين ، لأن ذكر القلم يدل على أن هناك من يكتب به .ونفى - سبحانه - عنه صلى الله عليه وسلم الجنون بأبلغ أسلوب ، لأن المشركين كانوا يصفونه بذلك ،
قال - تعالى - . ( وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ الذكر وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ) قال الآلوسى : قوله :
( مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) . جواب القسم ، والباء الثانية مزيدة لتأكيد النفى .
ومجنون خبر ما ، والباء الأولى للملابسة ، والجار والمجرور فى موضع الحال من الضمير فى الخبر ،
والعامل فيها معنى النفى .والمعنى : انتفى عنك الجنون فى حال كونك ملتبسا بنعمة ربك أى : منعما عليك بما أنعم من حصافة الرأى ،
والنبوة . .وفى إضافته صلى الله عليه وسلم إلى الرب - عز وجل - مزيد إشعار بالتسلية والقرب والمحبة . ومزيد إشعار - أيضا - بنفى ما افتراه الجاهلون من كونه صلى الله عليه وسلم مجنونا ،
لأن هذه الصفة لا تجتمع فى عبد أنعم الله - تعالى - عليه ، وقربه ، واصطفاه لحمل رسالته وتبليغ دعوته .