أقسم الله تعالى بمساقط النجوم في مغاربها في السماء، وإنه لَقَسم لو تعلمون قَدَره عظيم.
تفسير سورة الواقعة - الآية 75
۞ فَلَاۤ أُقۡسِمُ بِمَوَ ٰقِعِ ٱلنُّجُومِ
التفاسير العلمية(8)
«فلا أقسم» لا زائدة «بمواقع النجوم» بمساقطها لغروبها.
أقسم تعالى بالنجوم ومواقعها أي: مساقطها في مغاربها، وما يحدث الله في تلك الأوقات،
من الحوادث الدالة على عظمته وكبريائه وتوحيده.
قال جويبر ، عن الضحاك : إن الله لا يقسم بشيء من خلقه ،
ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه .وهذا القول ضعيف . والذي عليه الجمهور أنه قسم من الله عز وجل ، يقسم بما شاء من خلقه ،
وهو دليل على عظمته . ثم قال بعض المفسرين : " لا " هاهنا زائدة ،
وتقديره : أقسم بمواقع النجوم . ورواه ابن جرير ،
عن سعيد بن جبير . ويكون جوابه : ( إنه لقرآن كريم ) .وقال آخرون :
ليست " لا " زائدة لا معنى لها ، بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسما به على منفي ، كقول عائشة رضي الله عنها :
" لا والله ما مست يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة قط " وهكذا هاهنا تقدير الكلام : " لا أقسم بمواقع النجوم ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة ، بل هو قرآن كريم " .وقال ابن جرير :
وقال بعض أهل العربية : معنى قوله : ( فلا أقسم ) فليس الأمر كما تقولون ،
ثم استأنف القسم بعد : فقيل : أقسم .واختلفوا في معنى قوله :
( بمواقع النجوم ) ، فقال حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس يعني : نجوم القرآن ; فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا ، ثم نزل مفرقا في السنين بعد .
ثم قرأ ابن عباس هذه الآية .وقال الضحاك عن ابن عباس : نزل القرآن جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا ، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة ،
ونجمه جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - عشرين سنة ، فهو قوله : ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) نجوم القرآن .وكذا قال عكرمة ،
ومجاهد ، والسدي ، وأبو حزرة .وقال مجاهد أيضا :
( بمواقع النجوم ) في السماء ، ويقال : مطالعها ومشارقها .
وكذا قال الحسن ، وقتادة ، وهو اختيار ابن جرير .
وعن قتادة : مواقعها : منازلها .
وعن الحسن أيضا : أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة . وقال الضحاك :
( فلا أقسم بمواقع النجوم ) يعني بذلك : الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا ، قالوا :
مطرنا بنوء كذا وكذا .
وبعد أن ساق - سبحانه - هذه الأدلة المتنوعة على كمال قدرته وعلى صحة البعث . . .التفت - سبحانه - بالحديث إلى أولئك الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين .
. . فرد عليهم بما يخرس ألسنتهم ،
ونعت القرآن بنعوت جليلة فقال - تعالى - : ( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ . .
. ) .قال بعض العلماء : ورد القسم على هذا النحو فى القرآن الكريم كثيرا ،
ومن ذلك قوله - تعالى - : ( فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق والليل وَمَا وَسَقَ ) وقوله : ( فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس الجوار الكنس .
. ) وقد جاء على غير هذه الصورة ، أى :
من غير لا النافية ، ومن غير الفعل " أقسم " كما فى قوله - تعالى - : ( فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ .
. ) ( وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ . .
) وتارة يكون القسم بأشياء مختلفة من خلقه - تعالى - كالصافات ، والطور ، والتين ،
والقرآن . والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم ) للتفريع على ما تقدم من أدلة البعث .و ( لاَ ) عند أكثر المفسرين فى هذا التركيب وأمثاله :
مزيدة للتأكيد ، كما فى قوله - تعالى - : ( لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب .
. ) أى ليعلم أهل الكتاب . والمعنى هنا :
فأقسم بمواقع النجوم . . .قالوا :
وزيادتها هنا جاءت جريا على سنن العرب من زيادتها قبل القسم ، كما قى قولهم : لا وأبيك ،
كأنهم ينفون ما سوى المقسم عليه ، فيفيد الكلام التأكيد .ويرى بعضهم أن ( لاَ ) هنا : للنفى فيكون المعنى :
فلا أقسم بمواقع النجوم ، لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أصلا فضلا عن هذا القسم العظيم .قال الآلوسى ما ملخصه : ( فَلاَ أُقْسِمُ .
. . ) لا مزيدة للتأكيد مثلها فى قوله - تعالى - :
( لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ) أو هى لام القسم - بعينها - أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف أى : فلأقسم .وقيل إن لا هنا للنفى والرد على ما يقوله الكفار فى القرآن من أنه سحر ، كأنه قيل :
فلا صحة لما يقولون فيه ، ثم استؤنف فقيل أقسم . .وقال بعضهم إن " لا " كثيرا ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح ،
كما فى قوله لا وأليك . .وقال أبو مسلم وجمع : إن الكلام على ظاهره المتبادر منه .
والمعنى : لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم . أى :
لا يحتاج إلى قسم أصلا ، فضلا عن هذا القسم العظيم .والمواقع : جمع موقع ،
وموقع الشىء ما يوجد فيه ، وما يسقط من مكان مرتفع .فالمراد بمواقع النجوم : مساقطها التى تسقط فيها عند غروبها .
. . وقيل :
مواضعها من بروجها فى السماء ، ومنازلها منها . .
وقيل : المراد مواقعها يوم القيامة عدما تنتشر وتتفرق . .
وأقسم - سبحانه - بذلك ، للتنويه بشأنها ، ولما فيها من الدلالة على أن لهذا الكون خالقا قادرا حكيمان يسير كواكبه بدقة ونظام بديع ،
لا اختلال معه ولا اضطراب . . إذ كل نجم من هذه النجوم المتناثرة فى الفضاء ،
له مجاله الذى يغيب فيه ، وله مكانة الذى لا يصطدم فيه بغيره .قال بعض العلماء : إن هذه النجوم والكواكب ،
التى تزيد على عدة بلايين نجم ، ما يمكن ريته بالعين المجردة ، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة ،
وما يمكن أن تحسن به الأجهزة ، دون أن تراه كلها تسبح فى الفلك الغامض ، ولا يوجد أى احتمال أن يقترب مجال مغناطيسى لنجم ،
من مجال نجم آخر ، أو يصطدم بكوكب آخر .. .ومن العلماء من يرى أن المراد بمواقع النجوم أوقات نزول القرآن نجما نجما ،
وطائفة من الآيات تلى طائفة أخرى . .قال ابن كثير : واختلفوا فى معنى قوله " بمواقع النجوم " فعن ابن عباس أنه يعنى نجوم القرآن فإنه نزل جملة ليلة القدر ،
من السماء العليا إلى السماء الدنيا ، ثم نزل مفرقا بعد ذلك . .
.وعن قتادة : " مواقع النجوم " منازلها . .
وقال مجاهد : مطالعها ومشارقها . .
. وعن الحسن : انتشارها يوم القيامة .
.ويبدو لنا أن تفسير النجوم هنا ، بنجوم السماء هو الأرجح ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة .
قوله - عز وجل - : ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) ، قال أكثر المفسرين :
معناه : أقسم و " لا " صلة ، وكان عيسى بن عمر يقرأ :
فلأقسم على التحقيق . وقيل : قوله " فلا " رد لما قاله الكفار في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة ،
معناه : ليس الأمر كما يقولون ، ثم استأنف القسم ،
فقال : ( أقسم بمواقع النجوم ) قرأ حمزة والكسائي : " بموقع " على التوحيد .
وقرأ الآخرون " بمواقع " على الجمع . قال ابن عباس : أراد نجوم القرآن ،
فإنه كان ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متفرقا نجوما . وقال جماعة من المفسرين : أراد مغارب النجوم ومساقطها .
وقال عطاء بن أبي رباح : أراد منازلها . وقال الحسن :
أراد انكدارها وانتثارها يوم القيامة .
قوله تعالى : فلا أقسم " لا " صلة في قول أكثر المفسرين ، والمعنى :
فأقسم ، بدليل قوله : وإنه لقسم .
وقال الفراء : هي نفي ، والمعنى :
ليس الأمر كما تقولون ، ثم استأنف أقسم . وقد يقول الرجل :
لا والله ما كان كذا فلا يريد به نفي اليمين ، بل يريد به نفي كلام تقدم . أي :
ليس الأمر كما ذكرت ، بل هو كذا . وقيل :
" لا " بمعنى " ألا " للتنبيه كما قال :ألا عم صباحا أيها الطلل الباليونبه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه ، وأنه ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة كما زعموا . وقرأ الحسن وحميد وعيسى بن عمر " فلأقسم " بغير ألف بعد اللام على التحقيق وهو فعل حال ،
ويقدر مبتدأ محذوف ، التقدير : فلأنا أقسم بذلك .
ولو أريد به الاستقبال للزمت النون ، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال وهو شاذ .قوله تعالى : بمواقع النجوم مواقع النجوم :
مساقطها ومغاربها في قول قتادة وغيره . عطاء بن أبي رباح : منازلها .
الحسن : انكدارها وانتثارها يوم القيامة . الضحاك :
هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون إذا مطروا قالوا : مطرنا بنوء كذا . الماوردي :
ويكون قوله تعالى : فلا أقسم مستعملا على حقيقته من نفي القسم . القشيري :
هو قسم ، ولله تعالى أن يقسم بما يريد ، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة .قلت :
يدل على هذا قراءة الحسن " فلأقسم " وما أقسم به سبحانه من مخلوقاته في غير موضع من كتابه . وقال ابن عباس : المراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجوما ،
أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكاتبين ، فنجمه السفرة على جبريل عشرين ليلة ، ونجمه جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام عشرين سنة ،
فهو ينزله على الأحداث من أمته ؛ حكاه الماوردي عن ابن عباس والسدي . وقال أبو بكر الأنباري :
حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا همام عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : نزل القرآن إلى سماء الدنيا جملة واحدة ، ثم نزل إلى الأرض نجوما ،
وفرق بعد ذلك خمس آيات خمس آيات وأقل وأكثر ، فذلك قول الله تعالى : فلا أقسم بمواقع النجوم .
وقوله: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) فقال بعضهم:
عُنِي بقوله: ( فَلا أُقْسِمُ ) : أقسم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حُميد،
قال: ثنا مهران، عن سفيان،
عن ابن جُرَيج، عن الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير ( فَلا أُقْسِمُ ) قال: أقسم.وقال بعض أهل العربية:
معنى قوله: ( فَلا ) فليس الأمر كما تقولون ثم استأنف القسم بعد فقيل أقسم وقوله: ( بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك،
فقال بعضهم: معناه: فلا أقسم بمنازل القرآن،
وقالوا: أنزل القرآن على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نجومًا متفرّقة.* ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال:
ثنا هشيم، قال: أخبرنا حُصَين،
عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،
قال: نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين بعد.
قال: وتلا ابن عباس هذه الآية ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) قال: نزل متفرّقًا.حدثنا ابن حُميد،
قال: ثنا يحيى بن واضح، قال:
ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة،
في قوله: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) قال: أنزل الله القرآن نجومًا ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات.حدثنا ابن عبد الأعلى،
قال: ثنا المعتمر، عن أبيه،
عن عكرِمة: إن القرآن نزل جميعًا، فوضع بمواقع النجوم،
فجعل جبريل يأتي بالسورة، وإنما نزل جميعًا في ليلة القدر.حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال:
ثنا أبي، عن أبيه، عن جده،
عن الأعمش، عن مجاهد ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) قال: هو مُحْكَم القرآن.حدثني محمد بن سعيد،
قال: ثني أبي، قال:
ثني عمي، قال: ثني أبي،
عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:
( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) قال: مستقرّ الكتاب أوّله وآخره.وقال آخرون: بل معنى ذلك:
فلا أقسم بمساقط النجوم.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم،
قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث،
قال: ثنا الحسن، قال:
ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،
قوله: ( بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) قال في السماء ويقال مطالعها ومساقطها.حدثني بشر، قال:
ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد،
عن قتادة، قوله: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) أي مساقطها.وقال آخرون:
بل معنى ذلك: بمنازل النجوم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى، قال:
ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) قال:
بمنازل النجوم.وقال آخرون: بل معنى ذلك: بانتثار النجوم عند قيام الساعة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر،
قال: ثنا يزيد، قال:
ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله:
( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) قال: قال الحسن انكدارها وانتثارها يوم القيامة.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك:
فلا أقسم بمساقط النجوم ومغايبها في السماء، وذلك أن المواقع جمع موقع، والموقع المفعل،
من وقع يقع موقعًا، فالأغلب من معانيه والأظهر من تأويله ما قلنا في ذلك، ولذلك قلنا:
هو أولى معانيه به.واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة بموقع على التوحيد، وقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين بمواقع:
على الجماع.والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.