العودة للسورة الصافات

تفسير سورة الصافات - الآية 91

السورة 37
الآية 91
182 آيات
91

فَرَاغَ إِلَىٰۤ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ

التفاسير العلمية(8)

|

فمال مسرعًا إلى أصنام قومه فقال مستهزئًا بها: ألا تاكلون هذا الطعام الذي يقدمه لكم سدنتكم؟ ما لكم لا تنطقون ولا تجيبون مَن يسألكم؟

«فراغ» مال في خفية «إلى آلهتهم» وهي الأصنام وعندها الطعام «فقال» استهزاءً «ألا تأكلون» فلم ينطقوا.

فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، فَقَالَ متهكما بها أَلَا تَأْكُلُونَ

( فراغ إلى آلهتهم ) أي : ذهب إليها بعد أن خرجوا في سرعة واختفاء ، ( فقال ألا تأكلون ) ،

وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاما قربانا لتبرك لهم فيه .قال السدي : دخل إبراهيم - عليه السلام - إلى بيت الآلهة ، فإذا هم في بهو عظيم ،

وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم ، إلى جنبه [ صنم آخر ] أصغر منه ، بعضها إلى جنب بعض ،

كل صنم يليه أصغر منه ، حتى بلغوا باب البهو ، وإذا هم قد جعلوا طعاما وضعوه بين أيدي الآلهة ،

وقالوا : إذا كان حين نرجع وقد بركت الآلهة في طعامنا أكلناه ، فلما نظر إبراهيم - عليه السلام - إلى ما بين أيديهم من الطعام قال :

( ألا تأكلون . ما لكم لا تنطقون ) ؟ !

ثم حكى- سبحانه- ما فعله إبراهيم بالأصنام بعد أن انفرد بها فقال: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ.وأصل الروغ: الميل إلى الشيء بسرعة على سبيل الاحتيال.

يقال: راغ فلان نحو فلان. إذا مال إليه لأمر يريده منه على سبيل الاحتمال.أى:

فذهب إبراهيم مسرعا إلى الأصنام بعد أن تركها القوم وانصرفوا إلى عيدهم، فقال لها على سبيل التهكم والاستهزاء: أيتها الأصنام ألا تأكلين تلك الأطعمة التي قدمها لك الجاهلون على سبيل التبرك؟وخاطبها كما يخاطب من يعقل فقال:

«ألا تأكلون» ، لأن قومه أنزلوها تلك المنزلة.

كما قال الله تعالى : ( فراغ إلى آلهتهم ) مال إليها ميلة في خفية ، ولا يقال :

" راغ " حتى يكون صاحبه مخفيا لذهابه ومجيئه ، ) ( فقال ) استهزاء بها : ( ألا تأكلون ) يعني :

الطعام الذي بين أيديكم .

قوله تعالى : فراغ إلى آلهتهم قال السدي : ذهب إليهم .

وقال أبو مالك : جاء إليهم . وقال قتادة :

مال إليهم . وقال الكلبي : أقبل عليهم .

وقيل : عدل . والمعنى متقارب .

فراغ يروغ روغا وروغانا إذا مال . وطريق رائغ أي : مائل .

وقال الشاعر :ويريك من طرف اللسان حلاوة ويروغ عنك كما يروغ الثعلبفقال : ألا تأكلون فخاطبها كما يخاطب من يعقل ; لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة . وكذا قيل :

كان بين يدي الأصنام طعام تركوه ليأكلوه إذا رجعوا من العيد ، وإنما تركوه لتصيبه بركة أصنامهم بزعمهم . وقيل :

تركوه للسدنة . وقيل : قرب هو إليها طعاما على جهة الاستهزاء ،

فقال : ألا تأكلون

وقوله ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: فمال إلى آلهتهم بعد ما خرجوا عنه وأدبروا; وأرى أن أصل ذلك من قولهم: راغ فلان عن فلان:

إذا حاد عنه، فيكون معناه إذا كان كذلك: فراغ عن قومه والخروج معهم إلى آلهتهم; كما قال عدي بن زيد:حِينَ لا يَنْفَعُ الرَّوَاغُ وَلا يَنْفَعُ إلا المُصَادِقُ النِّحْرِيرُ (1)يعني بقوله " لا ينفع الرّوَاغ ":

الحِياد. أما أهل التأويل فإنهم فسَّروه بمعنى فَمَال.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال:

ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد،

عن قتادة ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ ) : أي فمال إلى آلهتهم، قال:

ذهب.حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد،

قال: ثنا أسباط، عن السديّ قوله ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ ) قال:

ذهب.وقوله ( فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ) هذا خبر من الله عن قيل إبراهيم للآلهة; وفي الكلام محذوف استغني بدلالة الكلام عليه من ذكره، وهو: فقرّب إليها الطعام فلم يرها تأكل،

فقال لها: ( أَلا تَأْكُلُونَ ) فلما لم يرها تأكل قال لها: ما لكم لا تأكلون.------------------------الهوامش:(1) البيت نسبه المؤلف لعدي بن زيد العبادي،

ولم أجده في ترجمته في الأغاني ولا في شعره في شعراء النصرانية. ولعله من قصيدته التي مطلعها" أرواح مودع أم بكور" . واستشهد به المؤلف عند قوله تعالى:" فراغ عليهم ضربا باليمين" على أن معنى راغ:

حاد. وفسره بعضهم بمال." وفي اللسان: روغ" راغ يروغ روغا وروغانا:

حاد. وراغ إلى كذا أي مال إليه سرا وحاد.وقوله تعالى" فراغ عليهم ضربا" أي مال وأقبل .اه. وفي ( اللسان:

نحر ): والنحر( بكسر النون ) والنحرير : الحاذق الماهر العاقل المجرب.

وقيل: النحرير: الرجل:

الطبن الفطن المتقن البصير في كل شيء. وجمعه: النحارير.

اه.وقال الفرّاء في معاني القرآن 273 :" فراغ عليهم ضربا باليمين" : أي مال عليهم ضربا، واغتنم خلوتهم من أهل دينهم.

وفي قراءة عبد الله ( أي ابن مسعود ):" فراغ عليهم صفقا باليمين" .