تحيةٌ لإبراهيم من عند الله، ودعاءٌ له بالسلامة من كل آفة.
تفسير سورة الصافات - الآية 109
سَلَـٰمٌ عَلَىٰۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ
التفاسير العلمية(8)
«سلام» منا «على إبراهيم».
سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ أي: تحيته عليه كقوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى
وقوله : ( وفديناه بذبح عظيم ) قال سفيان الثوري ، عن جابر الجعفي ،
عن أبي الطفيل ، عن علي ، رضي الله عنه :
( وفديناه بذبح عظيم ) قال : بكبش أبيض أعين أقرن ، قد ربط بسمرة - قال أبو الطفيل وجدوه مربوطا بسمرة في ثبيروقال الثوري أيضا ،
عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال :
كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار ،
حدثنا داود العطار ، عن ابن خثيم ، عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس قال : الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء ابنه ، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء ،
فذبحه ، وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه ، فكان مخزونا حتى فدي به إسحاق .وروي أيضا عن سعيد بن جبير أنه قال :
كان الكبش يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير ، وكان عليه عهن أحمر .وعن الحسن البصري : أنه كان اسم كبش إبراهيم :
جرير .وقال ابن جريج : قال عبيد بن عمير : ذبحه بالمقام .
وقال مجاهد : ذبحه بمنى عند المنحر . وقال هشيم ،
عن سيار ، عن عكرمة ; أن ابن عباس كان أفتى الذي جعل عليه نذرا أن ينحر نفسه ، فأمره بمائة من الإبل .
ثم قال بعد ذلك : لو كنت أفتيته بكبش لأجزأه أن يذبح كبشا ، فإن الله تعالى قال في كتابه :
( وفديناه بذبح عظيم ) والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فدي بكبش . وقال الثوري ، عن رجل ،
عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله : ( وفديناه بذبح عظيم ) قال :
وعل .وقال محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن أنه كان يقول :
ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى ، أهبط عليه من ثبير .وقد قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ،
حدثنا منصور ، عن خاله مسافع ، عن صفية بنت شيبة قالت :
أخبرتني امرأة من بني سليم - ولدت عامة أهل دارنا - أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن طلحة - وقال مرة : إنها سألت عثمان : لم دعاك النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال :
قال : " إني كنت رأيت قرني الكبش ، حين دخلت البيت ،
فنسيت أن آمرك أن تخمرهما ، فخمرهما ، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي " .
قال سفيان : لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت ، فاحترقا .وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل - عليه السلام - فإن قريشا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل ،
إلى أن بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - .فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو ؟ :ذكر من قال : هو إسحاق [ عليه السلام ] :قال حمزة الزيات ، عن أبي ميسرة ،
رحمه الله ، قال : قال يوسف - عليه السلام - للملك في وجهه :
ترغب أن تأكل معي ، وأنا - والله - يوسف بن يعقوب نبي الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ،
ابن إبراهيم خليل الله .وقال الثوري ، عن أبي سنان ، عن ابن أبي الهذيل :
إن يوسف - عليه السلام - قال للملك كذلك أيضا .وقال سفيان الثوري ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ،
عن أبيه قال : " قال موسى : يا رب ،
يقولون : يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فبم قالوا ذلك ؟ قال :
إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه . وإن إسحاق جاد لي بالذبح ، وهو بغير ذلك أجود .
وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن " .وقال شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص قال :
افتخر رجل عند ابن مسعود فقال : أنا فلان بن فلان ، ابن الأشياخ الكرام .
فقال عبد الله : ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله [ صلوات الله وسلامه عليهم ] .وهذا صحيح إلى ابن مسعود ،
وكذا روى عكرمة ، عن ابن عباس أنه إسحاق . وعن أبيه العباس ،
وعلي بن أبي طالب مثل ذلك . وكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير ،
ومجاهد ، والشعبي ، وعبيد بن عمير ،
وأبو ميسرة ، وزيد بن أسلم ، وعبد الله بن شقيق ،
والزهري ، والقاسم بن أبي بزة ، ومكحول ،
وعثمان بن حاضر ، والسدي ، والحسن ،
وقتادة ، وأبو الهذيل ، وابن سابط .
وهو اختيار ابن جرير . وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق .وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر ، عن الزهري ،
عن أبي سفيان بن العلاء ، بن جارية ، عن أبي هريرة ،
عن كعب الأحبار ، أنه قال : هو إسحاق .وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار ،
فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ، رضي الله عنه عن كتبه ، فربما استمع له عمر - رضي الله عنه - فترخص الناس في استماع ما عنده ،
ونقلوا عنه غثها وسمينها ، وليس لهذه الأمة - والله أعلم - حاجة إلى حرف واحد مما عنده . وقد حكى البغوي هذا القول بأنه إسحاق عن عمر ،
وعلي ، وابن مسعود ، والعباس ،
ومن التابعين عن كعب الأحبار ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ،
ومسروق ، وعكرمة ، ومقاتل ،
وعطاء ، والزهري ، والسدي - قال :
وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس . وقد ورد في ذلك حديث - لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين ، ولكن لم يصح سنده - قال ابن جرير :حدثنا أبو كريب ،
حدثنا زيد بن حباب ، عن الحسن بن دينار ، عن علي بن زيد بن جدعان ،
عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب ،
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذكره قال : هو إسحاق .ففي إسناده ضعيفان ، وهما الحسن بن دينار البصري ،
متروك . وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث . وقد رواه ابن أبي حاتم ،
عن أبيه ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن حماد بن سلمة ،
عن علي بن زيد بن جدعان ، به مرفوعا . .
ثم قال : قد رواه مبارك بن فضالة ، عن الحسن ،
عن الأحنف ، عن العباس قوله ، وهذا أشبه وأصح .[ ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل - عليه السلام - وهو الصحيح المقطوع به ] .قد تقدمت الرواية عن ابن عباس أنه إسحاق .
قال سعيد بن جبير ، وعامر الشعبي ، ويوسف بن مهران ،
ومجاهد ، وعطاء ، وغير واحد ،
عن ابن عباس ، هو إسماعيل - عليه السلام - .وقال ابن جرير : حدثني يونس ،
أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن قيس ، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال :
المفدى إسماعيل - عليه السلام - وزعمت اليهود أنه إسحاق ، وكذبت اليهود .وقال إسرائيل ، عن ثور ،
عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : الذبيح إسماعيل .وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد :
هو إسماعيل . وكذا قال يوسف بن مهران .وقال الشعبي : هو إسماعيل - عليه السلام - وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة .وقال محمد بن إسحاق ،
عن الحسن بن دينار ، وعمرو بن عبيد ، عن الحسن البصري :
أنه كان لا يشك في ذلك : أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل .قال ابن إسحاق : وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول :
إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل . وإنا لنجد ذلك في كتاب الله ، وذلك أن الله حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال :
( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) . يقول الله تعالى : ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) ،
يقول بابن وابن ابن ، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من [ الله ] الموعد بما وعده ، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل .وقال ابن إسحاق ،
عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي ، عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم ; أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام ، فقال له عمر :
إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه ، وإني لأراه كما قلت . ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام ،
كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه ، وكان يرى أنه من علمائهم ، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك - قال محمد بن كعب :
وأنا عند عمر بن عبد العزيز - فقال له عمر : أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال : إسماعيل والله يا أمير المؤمنين ،
وإن يهود لتعلم بذلك ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب ، على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه ،
والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به ، فهم يجحدون ذلك ، ويزعمون أنه إسحاق ،
بكون إسحاق أبوهم ، والله أعلم أيهما كان ، وكل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لله - عز وجل - .وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ،
رحمه الله : سألت أبي عن الذبيح ، من هو ؟ إسماعيل أو إسحاق ؟ فقال :
إسماعيل . ذكره في كتاب الزهد .وقال ابن أبي حاتم : وسمعت أبي يقول :
الصحيح أن الذبيح إسماعيل - عليه السلام - . قال : وروي عن علي ،
وابن عمر ، وأبي هريرة ، وأبي الطفيل ،
وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والحسن ،
ومجاهد ، والشعبي ، ومحمد بن كعب القرظي ،
وأبي جعفر محمد بن علي ، وأبي صالح أنهم قالوا : الذبيح إسماعيل .وقال البغوي في تفسيره :
وإليه ذهب عبد الله بن عمر ، وسعيد بن المسيب ، والسدي ،
والحسن البصري ، ومجاهد ، والربيع بن أنس ،
ومحمد بن كعب القرظي ، والكلبي ، وهو رواية عن ابن عباس ،
وحكاه أيضا عن أبي عمرو بن العلاء .وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا فقال : حدثني محمد بن عمار الرازي ، حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة ،
حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي ، عن عبيد الله بن محمد العتبي - من ولد عتبة بن أبي سفيان - عن أبيه : حدثني عبد الله بن سعيد ،
عن الصنابحي قال : كنا عند معاوية بن أبي سفيان ، فذكروا الذبيح :
إسماعيل أو إسحاق ؟ فقال على الخبير سقطتم ، كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل فقال : يا رسول الله ،
عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين . فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل له : يا أمير المؤمنين ،
وما الذبيحان ؟ فقال : إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها عليه ، ليذبحن أحد ولده ،
قال : فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا : افد ابنك بمائة من الإبل .
ففداه بمائة من الإبل ، وإسماعيل الثاني .وهذا حديث غريب جدا . وقد رواه الأموي في مغازيه :
حدثنا بعض أصحابنا ، أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة ، حدثنا عمر بن عبد الرحمن القرشي ،
حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي - من ولد عتبة بن أبي سفيان - حدثنا عبد الله بن سعيد ، حدثنا الصنابحي قال : حضرنا مجلس معاوية ،
فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ، وذكره . كذا كتبته من نسخة مغلوطة .وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى :
( فبشرناه بغلام حليم ) ، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله : ( وبشروه بغلام عليم ) [ الذاريات :
28 ] . وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي ، أي العمل .
ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا . قال : وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام .
قال : وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك . هذا ما اعتمد عليه في تفسيره ،
وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم ، بل هو بعيد جدا ، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى ،
والله أعلم .
وجعلنا التحية والسلام منا ومن المؤمنين عليه إلى يوم الدين
" سلام على إبراهيم "
سلام على إبراهيم وقيل : هو دعاء إبراهيم - عليه السلام - واجعل لي لسان صدق في الآخرين وقال عكرمة : هو السلام على إبراهيم أي :
سلاما منا . وقيل : سلامة له من الآفات مثل :
سلام على نوح في العالمين حسب ما تقدم .
وقوله ( سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) يقول تعالى ذكره: أمَنَة من الله في الأرض لإبراهيم أن لا يذكر من بعده إلا بالجميل من الذكر.