العودة للسورة الصافات

تفسير سورة الصافات - الآية 108

السورة 37
الآية 108
182 آيات
108

وَتَرَكۡنَا عَلَیۡهِ فِی ٱلۡـَٔاخِرِینَ

التفاسير العلمية(8)

|

وأبقينا لإبراهيم ثناءً حسنًا في الأمم بعده.

«وتركنا» أبقينا «عليه في الآخرين» ثناءً حسنا.

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ أي: وأبقينا عليه ثناء صادقا في الآخرين، كما كان في الأولين،

فكل وقت بعد إبراهيم عليه السلام، فإنه [فيه] محبوب معظم مثني عليه.

وقوله : ( وفديناه بذبح عظيم ) قال سفيان الثوري ، عن جابر الجعفي ،

عن أبي الطفيل ، عن علي ، رضي الله عنه :

( وفديناه بذبح عظيم ) قال : بكبش أبيض أعين أقرن ، قد ربط بسمرة - قال أبو الطفيل وجدوه مربوطا بسمرة في ثبيروقال الثوري أيضا ،

عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال :

كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار ،

حدثنا داود العطار ، عن ابن خثيم ، عن سعيد بن جبير ،

عن ابن عباس قال : الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء ابنه ، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء ،

فذبحه ، وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه ، فكان مخزونا حتى فدي به إسحاق .وروي أيضا عن سعيد بن جبير أنه قال :

كان الكبش يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير ، وكان عليه عهن أحمر .وعن الحسن البصري : أنه كان اسم كبش إبراهيم :

جرير .وقال ابن جريج : قال عبيد بن عمير : ذبحه بالمقام .

وقال مجاهد : ذبحه بمنى عند المنحر . وقال هشيم ،

عن سيار ، عن عكرمة ; أن ابن عباس كان أفتى الذي جعل عليه نذرا أن ينحر نفسه ، فأمره بمائة من الإبل .

ثم قال بعد ذلك : لو كنت أفتيته بكبش لأجزأه أن يذبح كبشا ، فإن الله تعالى قال في كتابه :

( وفديناه بذبح عظيم ) والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فدي بكبش . وقال الثوري ، عن رجل ،

عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله : ( وفديناه بذبح عظيم ) قال :

وعل .وقال محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن أنه كان يقول :

ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى ، أهبط عليه من ثبير .وقد قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ،

حدثنا منصور ، عن خاله مسافع ، عن صفية بنت شيبة قالت :

أخبرتني امرأة من بني سليم - ولدت عامة أهل دارنا - أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن طلحة - وقال مرة : إنها سألت عثمان : لم دعاك النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال :

قال : " إني كنت رأيت قرني الكبش ، حين دخلت البيت ،

فنسيت أن آمرك أن تخمرهما ، فخمرهما ، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي " .

قال سفيان : لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت ، فاحترقا .وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل - عليه السلام - فإن قريشا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل ،

إلى أن بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - .فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو ؟ :ذكر من قال : هو إسحاق [ عليه السلام ] :قال حمزة الزيات ، عن أبي ميسرة ،

رحمه الله ، قال : قال يوسف - عليه السلام - للملك في وجهه :

ترغب أن تأكل معي ، وأنا - والله - يوسف بن يعقوب نبي الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ،

ابن إبراهيم خليل الله .وقال الثوري ، عن أبي سنان ، عن ابن أبي الهذيل :

إن يوسف - عليه السلام - قال للملك كذلك أيضا .وقال سفيان الثوري ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ،

عن أبيه قال : " قال موسى : يا رب ،

يقولون : يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فبم قالوا ذلك ؟ قال :

إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه . وإن إسحاق جاد لي بالذبح ، وهو بغير ذلك أجود .

وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن " .وقال شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص قال :

افتخر رجل عند ابن مسعود فقال : أنا فلان بن فلان ، ابن الأشياخ الكرام .

فقال عبد الله : ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله [ صلوات الله وسلامه عليهم ] .وهذا صحيح إلى ابن مسعود ،

وكذا روى عكرمة ، عن ابن عباس أنه إسحاق . وعن أبيه العباس ،

وعلي بن أبي طالب مثل ذلك . وكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير ،

ومجاهد ، والشعبي ، وعبيد بن عمير ،

وأبو ميسرة ، وزيد بن أسلم ، وعبد الله بن شقيق ،

والزهري ، والقاسم بن أبي بزة ، ومكحول ،

وعثمان بن حاضر ، والسدي ، والحسن ،

وقتادة ، وأبو الهذيل ، وابن سابط .

وهو اختيار ابن جرير . وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق .وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر ، عن الزهري ،

عن أبي سفيان بن العلاء ، بن جارية ، عن أبي هريرة ،

عن كعب الأحبار ، أنه قال : هو إسحاق .وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار ،

فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ، رضي الله عنه عن كتبه ، فربما استمع له عمر - رضي الله عنه - فترخص الناس في استماع ما عنده ،

ونقلوا عنه غثها وسمينها ، وليس لهذه الأمة - والله أعلم - حاجة إلى حرف واحد مما عنده . وقد حكى البغوي هذا القول بأنه إسحاق عن عمر ،

وعلي ، وابن مسعود ، والعباس ،

ومن التابعين عن كعب الأحبار ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ،

ومسروق ، وعكرمة ، ومقاتل ،

وعطاء ، والزهري ، والسدي - قال :

وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس . وقد ورد في ذلك حديث - لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين ، ولكن لم يصح سنده - قال ابن جرير :حدثنا أبو كريب ،

حدثنا زيد بن حباب ، عن الحسن بن دينار ، عن علي بن زيد بن جدعان ،

عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب ،

عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذكره قال : هو إسحاق .ففي إسناده ضعيفان ، وهما الحسن بن دينار البصري ،

متروك . وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث . وقد رواه ابن أبي حاتم ،

عن أبيه ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن حماد بن سلمة ،

عن علي بن زيد بن جدعان ، به مرفوعا . .

ثم قال : قد رواه مبارك بن فضالة ، عن الحسن ،

عن الأحنف ، عن العباس قوله ، وهذا أشبه وأصح .[ ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل - عليه السلام - وهو الصحيح المقطوع به ] .قد تقدمت الرواية عن ابن عباس أنه إسحاق .

قال سعيد بن جبير ، وعامر الشعبي ، ويوسف بن مهران ،

ومجاهد ، وعطاء ، وغير واحد ،

عن ابن عباس ، هو إسماعيل - عليه السلام - .وقال ابن جرير : حدثني يونس ،

أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن قيس ، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال :

المفدى إسماعيل - عليه السلام - وزعمت اليهود أنه إسحاق ، وكذبت اليهود .وقال إسرائيل ، عن ثور ،

عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : الذبيح إسماعيل .وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد :

هو إسماعيل . وكذا قال يوسف بن مهران .وقال الشعبي : هو إسماعيل - عليه السلام - وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة .وقال محمد بن إسحاق ،

عن الحسن بن دينار ، وعمرو بن عبيد ، عن الحسن البصري :

أنه كان لا يشك في ذلك : أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل .قال ابن إسحاق : وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول :

إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل . وإنا لنجد ذلك في كتاب الله ، وذلك أن الله حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال :

( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) . يقول الله تعالى : ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) ،

يقول بابن وابن ابن ، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من [ الله ] الموعد بما وعده ، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل .وقال ابن إسحاق ،

عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي ، عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم ; أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام ، فقال له عمر :

إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه ، وإني لأراه كما قلت . ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام ،

كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه ، وكان يرى أنه من علمائهم ، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك - قال محمد بن كعب :

وأنا عند عمر بن عبد العزيز - فقال له عمر : أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال : إسماعيل والله يا أمير المؤمنين ،

وإن يهود لتعلم بذلك ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب ، على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه ،

والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به ، فهم يجحدون ذلك ، ويزعمون أنه إسحاق ،

بكون إسحاق أبوهم ، والله أعلم أيهما كان ، وكل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لله - عز وجل - .وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ،

رحمه الله : سألت أبي عن الذبيح ، من هو ؟ إسماعيل أو إسحاق ؟ فقال :

إسماعيل . ذكره في كتاب الزهد .وقال ابن أبي حاتم : وسمعت أبي يقول :

الصحيح أن الذبيح إسماعيل - عليه السلام - . قال : وروي عن علي ،

وابن عمر ، وأبي هريرة ، وأبي الطفيل ،

وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والحسن ،

ومجاهد ، والشعبي ، ومحمد بن كعب القرظي ،

وأبي جعفر محمد بن علي ، وأبي صالح أنهم قالوا : الذبيح إسماعيل .وقال البغوي في تفسيره :

وإليه ذهب عبد الله بن عمر ، وسعيد بن المسيب ، والسدي ،

والحسن البصري ، ومجاهد ، والربيع بن أنس ،

ومحمد بن كعب القرظي ، والكلبي ، وهو رواية عن ابن عباس ،

وحكاه أيضا عن أبي عمرو بن العلاء .وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا فقال : حدثني محمد بن عمار الرازي ، حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة ،

حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي ، عن عبيد الله بن محمد العتبي - من ولد عتبة بن أبي سفيان - عن أبيه : حدثني عبد الله بن سعيد ،

عن الصنابحي قال : كنا عند معاوية بن أبي سفيان ، فذكروا الذبيح :

إسماعيل أو إسحاق ؟ فقال على الخبير سقطتم ، كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل فقال : يا رسول الله ،

عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين . فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل له : يا أمير المؤمنين ،

وما الذبيحان ؟ فقال : إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها عليه ، ليذبحن أحد ولده ،

قال : فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا : افد ابنك بمائة من الإبل .

ففداه بمائة من الإبل ، وإسماعيل الثاني .وهذا حديث غريب جدا . وقد رواه الأموي في مغازيه :

حدثنا بعض أصحابنا ، أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة ، حدثنا عمر بن عبد الرحمن القرشي ،

حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي - من ولد عتبة بن أبي سفيان - حدثنا عبد الله بن سعيد ، حدثنا الصنابحي قال : حضرنا مجلس معاوية ،

فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ، وذكره . كذا كتبته من نسخة مغلوطة .وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى :

( فبشرناه بغلام حليم ) ، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله : ( وبشروه بغلام عليم ) [ الذاريات :

28 ] . وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي ، أي العمل .

ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا . قال : وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام .

قال : وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك . هذا ما اعتمد عليه في تفسيره ،

وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم ، بل هو بعيد جدا ، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى ،

والله أعلم .

وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ.أى: ومن مظاهر فضلنا وإحساننا وتكريمنا لنبينا إبراهيم- أننا أبقينا ذكره الحسن في الأمم التي ستأتى من بعده،

( وتركنا عليه في الآخرين ) أي : تركنا له في الآخرين ثناء حسنا .

قوله تعالى : وتركنا عليه في الآخرين أي على إبراهيم ثناء جميلا في الأمم بعده ، فما من أمة إلا تصلي عليه وتحبه .

وقوله ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ) يقول تعالى ذكره: وأبقينا عليه فيمن بعده إلى يوم القيامة ثناءً حسنا.كما حدثنا بشر، قال:

ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد،

عن قتادة ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ) قال: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين.حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال:

قال ابن زيد في قوله ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ) قال: سأل إبراهيمُ، فقال:

وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ قال: فترك الله عليه الثناء الحسن في الآخرين، كما ترك اللسانَ السَّوْء على فرعون وأشباهه كذلك ترك اللسان الصدق والثناء الصالح على هؤلاء.وقيل:

معنى ذلك: وتركنا عليه في الآخرين السلام، وهو قوله ( سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) ،

وذلك قول يُرْوى عن ابن عباس تركنا ذكره لأن في إسناده من لم نستجز ذكره; وقد ذكرنا الأخبار المروية في قوله ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ) فيما مضى قبل. وقيل:معنى ذلك: وتركنا عليه في الآخرين أن يقال:

سلام على إبراهيم.