قال ابن إسحاق ، عن مرة ، عن ابن مسعود :
كان ذلك الحرث كرما قد نبتت عناقيده . وكذا قال شريح .قال ابن عباس : النفش :
الرعي .وقال شريح ، والزهري ، وقتادة :
النفش بالليل . زاد قتادة : والهمل بالنهار .قال ابن جرير :
حدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم قالا : حدثنا المحاربي ، عن أشعث ،
عن أبي إسحاق ، عن مرة ، عن ابن مسعود في قوله :
( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ) قال : كرم قد أنبتت عناقيده ، فأفسدته .
قال : فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم ، فقال سليمان :
غير هذا يا نبي الله! قال : وما ذاك؟ قال : تدفع الكرم إلى صاحب الغنم ،
فيقوم عليه حتى يعود كما كان ، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه ، ودفعت الغنم إلى صاحبها ،
فذلك قوله : ( ففهمناها سليمان ) .وهكذا روى العوفي ، عن ابن عباس .وقال حماد بن سلمة ،
عن علي بن زيد ، حدثنا خليفة ، عن ابن عباس قال :
فحكم داود بالغنم لأصحاب الحرث ، فخرج الرعاء معهم الكلاب ، فقال لهم سليمان :
كيف قضى بينكم؟فأخبروه ، فقال : لو وليت أمركم لقضيت بغير هذا! فأخبر بذلك داود ،
فدعاه فقال : كيف تقضي بينهم؟ قال أدفع الغنم إلى صاحب الحرث ، فيكون له أولادها وألبانها وسلاؤها ومنافعها ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم ،
فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه أخذ أصحاب الحرث الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن سليمان ،
حدثنا خديج ، عن أبي إسحاق ، عن مرة ،
عن مسروق قال : الحرث الذي نفشت فيه الغنم إنما كان كرما نفشت فيه الغنم ، فلم تدع فيه ورقة ولا عنقودا من عنب إلا أكلته ،
فأتوا داود ، فأعطاهم رقابها ، فقال سليمان :
لا بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم ، فيكون لهم لبنها ونفعها ، ويعطى أهل الغنم الكرم فيصلحوه ويعمروه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم ،
ثم يعطى أهل الغنم غنمهم ، وأهل الكرم كرمهم .وهكذا قال شريح ، ومرة ،
ومجاهد ، وقتادة ، وابن زيد وغير واحد .وقال ابن جرير :
حدثنا ابن أبي زياد ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا إسماعيل ،
عن عامر ، قال : جاء رجلان إلى شريح ،
فقال أحدهما : إن شاة هذا قطعت غزلا لي ، فقال شريح :
نهارا أم ليلا؟ فإن كان نهارا فقد برئ صاحب الشاة ، وإن كان ليلا ضمن ، ثم قرأ :
( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه ) الآية .وهذا الذي قاله شريح شبيه بما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ،
من حديث الليث بن سعد ، عن الزهري ، عن حرام بن محيصة ; أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا ،
فأفسدت فيه ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الحوائط حفظها بالنهار ، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها .
وقد علل هذا الحديث ، وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب " الأحكام " وبالله التوفيق .