وكثير من القرى كان أهلها ظالمين بكفرهم بما جاءتهم به رسلهم، فأهلكناهم بعذاب أبادهم جميعًا، وأوجدنا بعدهم قومًا آخرين سواهم.
تفسير سورة الأنبياء - الآية 11
وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡیَةࣲ كَانَتۡ ظَالِمَةࣰ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِینَ
التفاسير العلمية(8)
«وكم قصمنا» أهلكنا «من قرية» أي أهلها «كانت ظالمة» كافرة «وأنشأنا بعدها قوماً آخرين».
يقول تعالى - محذرا لهؤلاء الظالمين، المكذبين للرسول، بما فعل بالأمم المكذبة لغيره من الرسل - وَكَمْ قَصَمْنَا ْ أي:
أهلكنا بعذاب مستأصل مِنْ قَرْيَةٍ ْ تلفت عن آخرها وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ْ
وقوله : ( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ) هذه صيغة تكثير ، كما قال ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ) [ الإسراء :
17 ] .وقال تعالى : ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ) [ الحج : 45 ] .
وقوله : ( وأنشأنا بعدها قوما آخرين ) أي : أمة أخرى بعدهم .
ثم بين- سبحانه- ما أنزله بالقوم الظالمين فقال: وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ.و «كم» هنا خبرية مفيدة للتكثير، وهي في محل نصب على أنها مفعول مقدم «لقصمنا» .وأصل القصم:
كسر الشيء حتى ينقطع وينفصل عن غيره، يقال: قصم فلان ظهر فلان،
إذا كسره حتى النهاية، بخلاف الفصم فهو صدع الشيء من غير قطع وانفصال.قال القرطبي: «والقصم:
الكسر، يقال: قصمت ظهر فلان،
وانقصمت سنه، إذا انكسرت.والمعنى ها هنا به الإهلاك. وأما الفصم- بالفاء- فهو الصدع في الشيء من غير بينونة» .أى:
وكثيرا من القرى الظالمة التي تجاوز أهلها حدود الحق، ومردوا على الكفر والضلال، أبدناها مع أهلها،
وعذبناها عذابا نكرا، بسبب ظلمهم وبغيهم، وأنشأنا من بعدهم قوما آخرين ليسوا مثلهم.وأوقع- سبحانه- فعل القصم على القرى،
للإشعار بأن الهلاك قد أصابها وأصاب أهلها معها. فالكل قد دمره- سبحانه- تدميرا.أما عند الإنشاء فقد أوقع الفعل على القوم فقال: وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ للإيماء إلى أن هؤلاء القوم الآخرين،
الذين لم يكونوا أمثال السابقين، هم الذين ينشئون القرى ويعمرونها.وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً .
( وكم قصمنا ) أهلكنا ، والقصم : الكسر ،
( من قرية كانت ظالمة ) أي : كافرة ، يعني أهلها ،
( وأنشأنا بعدها ) أي : أحدثنا بعد هلاك أهلها ، ( قوما آخرين )
قوله تعالى : وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة يريد مدائن كانت باليمن . وقال أهل التفسير والأخبار :
إنه أراد أهل حضور وكان بعث إليهم نبي اسمه شعيب بن ذي مهدم ، وقبر شعيب هذا باليمن بجبل يقال له ضنن كثير الثلج ، وليس بشعيب صاحب مدين ؛
لأن قصة حضور قبل مدة عيسى - عليه السلام - ، وبعد مئين من السنين من مدة سليمان - عليه السلام - ، وأنهم قتلوا نبيهم وقتل أصحاب الرس في ذلك التاريخ نبيا لهم اسمه حنظلة بن صفوان ،
وكانت حضور بأرض الحجاز من ناحية الشام ، فأوحى الله إلى أرميا أن ايت بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على أرض العرب ، وأني منتقم بك منهم ،
وأوحى الله إلى أرميا أن احمل معد بن عدنان على البراق إلى أرض العراق ؛ كي لا تصيبه النقمة والبلاء معهم ، فإني مستخرج من صلبه نبيا في آخر الزمان اسمه محمد ،
فحمل معدا وهو ابن اثنتا عشرة سنة ، فكان مع بني إسرائيل إلى أن كبر وتزوج امرأة اسمها معانة ؛ ثم إن بختنصر نهض بالجيوش ،
وكمن للعرب في مكان - وهو أول من اتخذ المكامن فيما ذكروا - ثم شن الغارات على حضور فقتل وسبى وخرب العامر ، ولم يترك بحضور أثرا ، ثم انصرف راجعا إلى السواد .
وكم في موضع نصب ب ( قصمنا ) . والقصم الكسر ؛ يقال :
قصمت ظهر فلان وانقصمت سنه إذا انكسرت والمعني به هاهنا الإهلاك . وأما الفصم ( بالفاء ) فهو الصدع في الشيء من غير بينونة ؛ قال الشاعر :كأنه دملج من فضة نبه في ملعب من عذارى الحي مفصومومنه الحديث فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا .
وقوله : كانت ظالمة أي كافرة ؛ يعني أهلها .
والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وهم وضعوا الكفر موضع الإيمان . وأنشأنا أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم قوما آخرين
يقول تعالى ذكره: وكثيرا قصمنا من قرية، والقصم:
أصله الكسر، يقال منه: قصمت ظهر فلان إذا كسرته،
وانقصمت سنه: إذا انكسرت ، وهو هاهنا معني به أهلكنا،
وكذلك تأوّله أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم،
قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث،
قال: ثنا الحسن، قال:
ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،
قوله ( وَكَمْ قَصَمْنَا ) قال: أهلكنا.حدثنا القاسم، قال:
ثنا الحسين، قال: ثني حجاج،
عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ( وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ) قال:
أهلكناها ، قال ابن جُرَيج: قصمنا من قرية،
قال: باليمن قصمنا، بالسيف أهلكوا.حدثني يونس،
قال: أخبرنا ابن وهب، قال:
قال ابن زيد في قول الله ( قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ) قال: قصمها أهلكها.وقوله ( مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً ) أجرى الكلام على القرية، والمراد بها أهلها لمعرفة السامعين بمعناه،
وكأن ظلمها كفرها بالله وتكذيبها رسله، وقوله ( وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) يقول تعالى ذكره: وأحدثنا بعد ما أهلكنا هؤلاء الظلمة من أهل هذه القرية التي قصمناها بظلمها قوما آخرين سواهم.