العودة للسورة طه

تفسير سورة طه - الآية 76

السورة 20
الآية 76
135 آيات
76

جَنَّـٰتُ عَدۡنࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۚ وَذَ ٰ⁠لِكَ جَزَاۤءُ مَن تَزَكَّىٰ

التفاسير العلمية(8)

|

ومن يأت ربه مؤمنًا به قد عمل الأعمال الصالحة فله المنازل العالية في جنات الإقامة الدائمة، تجري من تحت أشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، وذلك النعيم المقيم ثواب من الله لمن طهَّر نفسه من الدنس والخبث والشرك،

وعبد الله وحده فأطاعه واجتنب معاصيه، ولقي ربه لا يشرك بعبادته أحدًا من خلقه.

«جنات عدن» أي إقامة بيان له «تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاءُ من تزكى» تَطهَّر من الذنوب.

وَذَلِكَ الثواب، جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى أي: تطهر من الشرك والكفر والفسوق والعصيان،

إما أن لا يفعلها بالكلية، أو يتوب مما فعله منها، وزكى أيضا نفسه،

ونماها بالإيمان والعمل الصالح، فإن للتزكية معنيين، التنقية،

وإزالة الخبث، والزيادة بحصول الخير، وسميت الزكاة زكاة،

لهذين الأمرين.

وقوله : ( جنات عدن تجري ) أي : إقامة وهو بدل من الدرجات العلى ،

( [ تجري من تحتها الأنهار ] خالدين فيها ) أي : ماكثين أبدا ، ( وذلك جزاء من تزكى ) أي :

طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك ، وعبد الله وحده لا شريك له ، وصدق المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب .

وقوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يدل على الدرجات العلى.أى: لهم جنات باقية دائمة تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار خالِدِينَ فِيها خلودا أبديا.وَذلِكَ العطاء الجزيل الباقي جزاء من تزكى،

أى من تطهر وتجرد من دنس الكفر والمعاصي.وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت لنا بأسلوبها البليغ المؤثر، تلك المحاورات الطويلة التي دارت بين موسى وفرعون والسحرة.. والتي انتهت بانتصار الحق واندحار الباطل.ثم ساق- سبحانه- جانبا من النعم التي أنعم بها على بنى إسرائيل،

وحذرهم من جحودها، فقال- تعالى-:

( جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى ) أي : تطهر من الذنوب . وقال الكلبي :

أعطى زكاة نفسه وقال لا إله إلا الله .أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد السمسار ، أخبرنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن عباس الدهقان ،

أخبرنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، أخبرنا أبو معاوية ، عن الأعمش ،

عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق من آفاق السماء ، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما "

قوله تعالى : جنات عدن بيان للدرجات وبدل منها ، والعدن الإقامة .

وقد تقدم بيانه تجري من تحتها أي من تحت غرفها وسررها الأنهار من الخمر والعسل واللبن والماء . وقد تقدم خالدين فيها أي ماكثين دائمين . وذلك جزاء من تزكى أي من تطهر من الكفر والمعاصي .

ومن قال هذا من قول السحرة قال : لعل السحرة سمعوه من موسى أو من بني إسرائيل إذ كان فيهم بمصر أقوام ، وكان فيهم أيضا المؤمن من آل فرعون .قلت :

ويحتمل أن يكون ذلك إلهاما من الله لهم أنطقهم بذلك لما آمنوا ؛ والله أعلم .

القول في تأويل قوله تعالى : جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)يقول تعالى ذكره: ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات،

فأولئك لهم الدرجات العلى. ثم بين تلك الدرجات العلى ما هي، فقال:

هن ( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) يعني: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاد لها ولا فناء ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار ( خَالِدِينَ فِيهَا ) يقول:

ماكثين فيها إلى غير غاية محدودة; فالجنات من قوله ( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) مرفوعة بالردّ على الدرجات.كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين،

قال: ثني حجاج، عن ابن جريج،

في قوله وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى قال: عدن.وقوله ( وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ) يقول: وهذه الدرجات العُلى التي هي جنات عدن على ما وصف جلّ جلاله ثواب من تزكى،

يعني: من تطهر من الذنوب، فأطاع الله فيما أمره،

ولم يدنس نفسه بمعصيته فيما نهاه عنه.