يقول هؤلاء المكذبون بالبعث: أنُرَدُّ بعد موتنا إلى ما كنا عليه أحياء في الأرض؟ أنردُّ وقد صرنا عظامًا بالية؟ قالوا: رجعتنا تلك ستكون إذًا خائبة كاذبة.
تفسير سورة النازعات - الآية 11
أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمࣰا نَّخِرَةࣰ
التفاسير العلمية(8)
«أئذا كنا عظاما نخرة» وفي قراءة ناخرة بالية متفتتة نحيا.
يقولون أي: الكفار في الدنيا، على وجه التكذيب:
أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً أي: بالية فتاتا.
ولهذا قالوا : ( أئذا كنا عظاما نخرة ) ؟ وقرئ : " ناخرة " .وقال ابن عباس ،
ومجاهد ، وقتادة : أي بالية .
قال ابن عباس : وهو العظم إذا بلي ودخلتالريح فيه .
وقوله : ( نَّخِرَةً ) صفة مشتقة من قولهم : نَخِر العظم - بفتح النون وكسر الخاء - إذا بَلِى وصار سهل التفتيت والكسر .
وقرأ حمزة والكسائى " ناخرة " بمعنى بالية فارغة جوفاء ، يسمع منها عند هبوب الريح نخير ، أى :
صوت .أى : أن هؤلاء المشركين كانوا يقولون فى الدنيا - على سبيل التعجيب والاستهزاء والإِنكار لأمر البعث والحساب : أنرد إلى الحياة مرة أخرى بعد موتنا وبعد أن نصير فى قبورنا عظاما بالية .وعبر - سبحانه - عن قولهم هذا بالمضارع " يقولون " لاستحضار حالتهم الغريبة ،
حيث أنكروا ما قام الدليل على عدم إنكاره ، وللإِشعار بأن هذا الإِنكار كان متجددا ومستمرا منهم .وقد ساق - سبحانه - أقوالهم هذه بأسلوب الاستفهام ، للإِيذان بأنهم كانوا يقولون ما يقولون فى شأن البعث على سبيل التهكم والتعجب ممن يحدثهم عنه ،
كما هو شأن المستفهم عن شئ الذى لا يقصد معرفة الحقيقة ، وإنما يقصد التعجيب والإِنكار .وجملة ( أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً ) مؤكدة للجملة السابقة عليها ، التى يستبعدون فيها أمر البعث بأقوى أسلوب .
( أئذا كنا عظاما نخرة ) قرأ نافع ، وابن عامر ، والكسائي ،
ويعقوب : " أئنا " ؟ مستفهما ، " إذا " بتركه ،
ضده أبو جعفر ، [ الباقون ] باستفهامهما ، وقرأ حمزة ،
والكسائي ، وأبو عمرو : " عظاما ناخرة " ،
وقرأ الآخرون " نخرة " وهما لغتان ، مثل الطمع والطامع والحذر والحاذر ، ومعناهما البالية ،
وفرق قوم بينهما ، فقالوا : النخرة :
البالية ، والناخرة : المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر ،
أي : تصوت .
أئذا كنا عظاما نخرة أي بالية متفتتة . يقال : نخر العظم بالكسر :
أي بلي وتفتت ; يقال : عظام نخرة . وكذا قرأ الجمهور من أهل المدينة ومكة والشام والبصرة ،
واختاره أبو عبيد ; لأن الآثار التي تذكر فيها العظام ، نظرنا فيها فرأينا نخرة لا ناخرة . وقرأ أبو عمرو وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وحمزة والكسائي وأبو بكر ( ناخرة ) بألف ،
واختاره الفراء والطبري وأبو معاذ النحوي ; لوفاق رؤوس الآي . وفي الصحاح : والناخر من العظام التي تدخل الريح فيه ثم تخرج منه ولها نخير .
ويقال : ما بها ناخر ، أي ما بها أحد .
حكاه يعقوب عن الباهلي . وقال أبو عمرو بن العلاء : الناخرة التي لم تنخر بعد ،
أي لم تبل ولا بد أن تنخر . وقيل : الناخر المجوفة .
وقيل : هما لغتان بمعنى ; كذلك تقول العرب : نخر الشيء فهو نخر وناخر ; كقولهم :
طمع فهو طمع وطامع ، وحذر وحاذر ، وبخل وباخل ،
وفره وفاره ; قال الشاعر :يظل بها الشيخ الذي كان بادنا يدب على عوج له نخراتعوج : يعني قوائم . وفي بعض التفسير :
ناخرة بالألف : بالية ، ونخرة :
تنخر فيها الريح أي تمر فيها ، على عكس الأول ; قال :من بعد ما صرت عظاما ناخرهوقال بعضهم : الناخرة :
التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها . والنخرة : التي فسدت كلها .
قال مجاهد : نخرة أي مرفوتة ; كما قال تعالى : عظاما ورفاتا ونخرة الريح بالضم :
شدة هبوبها . والنخرة أيضا والنخرة مثال الهمزة : مقدم أنف الفرس والحمار والخنزير ; يقال :
هشم نخرته : أي أنفه .
وقوله: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً اختلفت القرّاء قي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والحجاز والبصرة نَخِرَةً بمعنى:
بالية. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( ناخِرَةً ) بألف، بمعنى:
أنها مجوّفة تنخَر الرياح في جوفها إذا مرّت بها. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: الناخرة والنخرة سواء في المعنى،
بمنزلة الطامع والطمِع، والباخل والبَخِل؛ وأفصح اللغتين عندنا وأشهرهما عندنا نَخِرَةً ،
بغير ألف، بمعنى: بالية،
غير أن رءوس الآي قبلها وبعدها جاءت بالألف، فأعجب إليّ لذلك أن تُلْحق ناخرة بها ليتفق هو وسائر رءوس الآيات، لولا ذلك كان أعجب القراءتين إليّ حذف الألف منها.* ذكر من قال نَخِرَةً :
بالية:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي،
قال: ثني عمي ، قال:
ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً فالنخرة:
الفانية البالية .حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم،
قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث،
قال: ثنا الحسن، قال:
ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عِظَامًا نَخِرَةً قال:
مرفوتة .حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد،
قال: ثنا سعيد، عن قتادة أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا تكذيبا بالبعث ( نَاخِرَةً ) بالية.
قالوا: تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ يقول جلّ ثناؤه عن قيل هؤلاء المكذّبين بالبعث، قالوا:
تلك: يعنون تلك الرجعة أحياء بعد الممات، إذًا:
يعنون الآن، كرّة: يعنون رجعة،
خاسرة: يعنون غابنة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك: