وأنزلنا من السحب الممطرة ماء منصَبّا بكثرة، لنخرج به حبًا مما يقتات به الناس وحشائش مما تأكله الدَّواب، وبساتين ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها؟
تفسير سورة النبأ - الآية 16
وَجَنَّـٰتٍ أَلۡفَافًا
التفاسير العلمية(8)
«وجنات» بساتين «ألفافا» ملتفة، جمع لفيف كشريف وأشراف.
وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا أي: بساتين ملتفة، فيها من جميع أصناف الفواكه اللذيذة.فالذي أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة ،
التي لا يقدر قدرها، ولا يحصى عددها، كيف [تكفرون به و] تكذبون ما أخبركم به من البعث والنشور؟! أم كيف تستعينون بنعمه على معاصيه وتجحدونها؟"
( وجنات ) أي : بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة ، وألوان مختلفة ،
وطعوم وروائح متفاوتة ، وإن كان ذهلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعا ; ولهذا قال : ( وجنات ألفافا ) قال ابن عباس ،
وغيره : ( ألفافا ) مجتمعة . وهذه كقوله تعالى :
( وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) الآية [ الرعد : 4 ] .
أما الدليل التاسع على قدرته - تعالى - على البعث ، فنراه فى قوله - تعالى - :( وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً . لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً .
وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ) .والمعصرات - بضم الميم وكسر الصاد - السحب التى تحمل المطر ، جمع معصرة - بكسر الصاد - اسم فاعل ، من أعصرت السحابة إذا أوشكت على إنزال الماء لامتلائها به .
.قال ابن كثير : عن ابن عباس : " المعصرات " الرياح .
لأنها تستدر المطر من السحاب . . وفى رواية عنه أن المراد بها :
السحاب ، وكذا قال عكرمة . .
واختاره ابن جرير . .وقال الفراء : هى السحاب التى تتحلب بالماء ولم تمطر بعد ،
كما يقال : امرأة معصر ، إذا حان حيضها ولم تحض بعد .وعن الحسن وقتادة :
المعصرات : يعنى السموات . وهذا قول غريب ،
والأظهر أن المراد بها السحاب ، كما قال - تعالى - : ( الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ .
. . ) والثجاج :
المندفع بقوة وكثرة ، يقال : ثج الماء - كرد - إذا انصب بقوة وكثرة .ومطر ثجاج ،
أى : شديد الانصباب جدا .وقوله : ( أَلْفَافاً ) اسم جمع لا واحد له من لفظه ،
كالأوزاع للجماعات المتفرقة . وقيل : جمع لفيف ،
كأشراف وشريف . أى : وأنزلنا لكم - يا بنى آدم - بقدرتنا ورحمتنا - من السحائب التى أوشكت على الإِمطار ،
ماء كثيرا متدفقا بقوة ، لنخرج بهذا الماء حبا تقتاتون به - كالقمح والشعير .. ونباتا تستعملونه لدوابكم كالتبن والكلأ ،
ولنخرج بهذا الماء - أيضا - بساتين قد التفت أغصانها لتقاربها وشدة نمائها .فهذه تسعة أدلة أقامها - سبحانه - على أن البعث حق ، وهى أدلة مشاهدة محسوسة ، لا يستطيع عاقل إنكار واحد منها .
. وما دام الأمر كذلك فكيف ينكرون قدرته على البعث ، مع أنه - تعالى - قد أوجد لهم كل هذه النعم التى منها ما يتعلق بخلقهم ،
ومنها ما يتعلق بالأرض والسموات ، ومنها ما يتعلق بنومهم ، وبالليل والنهار ،
ومنها ما يتعلق بالشمس ، وبالسحب التى تحمل لهم الماء الذى لا يحاة لهم بدونه .وبعد إيراد هذه الأدلة المقنعة لكل عاقل ، أكد - سبحانه - ما اختلفوا فيه ،
وما تساءلوا عنه
"وجنات ألفافاً" ملتفة بالشجر، واحدها لف ولفيف، وقيل:
هو جمع الجمع، يقال: جنة لفا،
وجمعها لف، بضم اللام، وجمع الجمع ألفاف.
قوله تعالى : وجنات أي بساتين ألفافا أي ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها ، ولا واحد له كالأوزاع والأخياف .
وقيل : واحد الألفاف لف بالكسر ولف بالضم . ذكره الكسائي ،
قال :جنة لف وعيش مغدق وندامى كلهم بيض زهروعنه أيضا وأبي عبيدة : لفيف كشريف وأشراف . وقيل :
هو جمع الجمع . حكاه الكسائي . يقال :
جنة لفاء ونبت لف والجمع لف بضم اللام مثل حمر ، ثم يجمع اللف ألفافا . الزمخشري :
ولو قيل جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان وجيها . ويقال : شجرة لفاء وشجر لف وامرأة لفاء :
أي غليظة الساق مجتمعة اللحم . وقيل : التقدير :
ونخرج به جنات ألفافا ، فحذف لدلالة الكلام عليه . ثم هذا الالتفاف والانضمام معناه أن الأشجار في البساتين تكون متقاربة ،
فالأغصان من كل شجرة متقاربة لقوتها .
وقوله: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) يقول: ولنخرج بذلك الغيث جنات،
وهي البساتين، وقال: (وَجَنَّاتٍ) والمعنى:
وثمر جنات، فترك ذكر الثمر استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره. وقوله:
(أَلْفَافًا) يعني: ملتفة مجتمعة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، ثنا أبو صالح،
قال: ثني معاوية، عن عليّ،
عن ابن عباس، قوله: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال:
مجتمعة.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي،
قال: ثني عمي، قال:
ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) يقول:
وجنات التفّ بعضها ببعض.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم،
قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث،
قال: ثنا الحسن، قال:
ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال:
ملتفة.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد،
قال: ثنا سعيد، عن قتادة،
قوله: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال: التفّ بعضها إلى بعض.حدثنا ابن عبد الأعلى،
قال: ثنا ابن ثور، عن معمر،
عن قتادة، في قوله: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال:
التفّ بعضها إلى بعض.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران،
عن سفيان (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال: ملتفة.حدثني يونس، قال:
أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد،
في قوله: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال: هي الملتفة،
بعضها فوق بعض.واختلف أهل العربية في واحد الألفاف، فكان بعض نحويي البصرة يقول: واحدها:
لَفٌّ. وقال بعض نحويِّي الكوفة: واحدها:
لف ولفيف، قال: وإن شئت كان الإلفاف جمعا واحده جمع أيضا،
فتقول: جنة لفَّاء، وجنات لفّ،
ثم يجمع اللَّفَّ ألفافا.وقال آخر منهم: لم نسمع شجرة لفة، ولكن واحدها لفاء،
وجمعها لفّ، وجمع لفّ: ألفاف،
فهو جمع الجمع.والصواب من القول في ذلك أن الألفاف جمع لفّ أو لفيف، وذلك أن أهل التأويل مجمعون على أن معناه: ملتفة،
واللفاء، هي الغليظة، وليس الالتفاف من الغلظ في شيء،
إلا أن يوجه إلى أنه غلظ الالتفاف، فيكون ذلك حينئذ وجها.