قوله تعالى : ودانية عليهم ظلالها أي ظل الأشجار في الجنة قريبة من الأبرار ، فهي مظلة عليهم زيادة في نعيمهم وإن كان لا شمس ولا قمر ثم ; كما أن أمشاطهم الذهب والفضة ،
وإن كان لا وسخ ولا شعث ثم . ويقال : إن ارتفاع الأشجار في الجنة مقدار مائة عام ،
فإذا اشتهى ولي الله ثمرتها دانت حتى يتناولها . وانتصبت دانية على الحال عطفا على ( متكئين ) كما تقول : في الدار عبد الله متكئا ومرسلة عليه الحجال .
وقيل : انتصبت نعتا للجنة ; أي وجزاهم جنة دانية ، فهي ،
صفة لموصوف محذوف . وقيل : على موضع لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ويرون دانية ،
وقيل : على المدح أي دنت دانية . قاله الفراء .
ظلالها الظلال مرفوعة بدانية ، ولو قرئ برفع دانية على أن تكون الظلال مبتدأ ودانية الخبر لجاز ، وتكون الجملة في موضع الحال من الهاء والميم في وجزاهم وقد قرئ بذلك .
وفي قراءة عبد الله ( ودانيا عليهم ) لتقدم الفعل . وفي حرف أبي ( ودان ) رفع على الاستئناف .وذللت أي سخرت لهم قطوفها أي ثمارها تذليلا أي تسخيرا ، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع ،
لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك ; قاله قتادة . وقال مجاهد : إن قام أحد ارتفعت له ،
وإن جلس تدلت عليه ، وإن اضطجع دنت منه فأكل منها . وعنه أيضا :
أرض الجنة من ورق ، وترابها الزعفران ، وطيبها مسك أذفر ،
وأصول شجرها ذهب وورق ، وأفنانها اللؤلؤ والزبرجد والياقوت ، والثمر تحت ذلك كله ; فمن أكل منها قائما لم تؤذه ،
ومن أكل منها قاعدا لم تؤذه ، ومن أكل منها مضطجعا لم تؤذه . وقال ابن عباس :
إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت إليه حتى يتناول منها ما يريد ، وتذليل القطوف تسهيل التناول . والقطوف :
الثمار ، الواحد قطف بكسر القاف ، سمي به لأنه يقطف ،
كما سمي الجنى لأنه يجنى .تذليلا تأكيد لما وصف به من الذل ; كقوله : ونزلناه تنزيلا وكلم الله موسى تكليما . الماوردي :
ويحتمل أن يكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها ، وتخلص لهم من نواها .قلت : وفي هذا بعد ; فقد روى ابن المبارك ،
قال : أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : نخل الجنة :
جذوعها زمرد أخضر ، وكربها ذهب أحمر ، وسعفها كسوة لأهل الجنة ،
منها مقطعاتهم وحللهم ، وثمرها أمثال القلال والدلاء ، أشد بياضا من اللبن ،
وأحلى من العسل ، وألين من الزبد ليس فيه عجم . قال أبو جعفر النحاس :
ويقال المذلل الذي قد ذلله الماء أي أرواه . ويقال المذلل الذي يفيئه أدنى ريح لنعمته ، ويقال المذلل المسوى ; لأن أهل الحجاز يقولون :
ذلل نخلك أي سوه ، ويقال المذلل القريب المتناول ، من قولهم :
حائط ذليل أي قصير . قال أبو جعفر : وهذه الأقوال التي حكيناها ذكرها أهل العلم باللغة وقالوها في قول امرئ القيس :[ وكشح لطيف كالحديل مخصر ] وساق كأنبوب السقي المذلل