اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار: ( لا أُقْسِمُ ) [لا] (4) مفصولة من أقسم،
سوى الحسن والأعرج، فإنه ذكر عنهما أنهما كانا يقرآن ذلك ( لأقسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ) بمعنى: أقسم بيوم القيامة،
ثم أدخلت عليها لام القسم.والقراءة التي لا أستجيز غيرها في هذا الموضع " لا " مفصولة، أقسم مبتدأة على ما عليه قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء عليه.وقد اختلف الذين قرءوا ذلك على الوجه الذي اخترنا قراءته في تأويله،
فقال بعضهم " لا " صلة، وإنما معنى الكلام: أقسم بيوم القيامة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو هشام الرفاعي،
قال: ثنا ابن يمان، قال:
ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم بن يناق،
عن سعيد بن جُبير ( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) قال: أقسم بيوم القيامة.حدثنا ابن حميد، قال:
ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج،
عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جُبير ( لا أُقْسِم ) قال: أقسم.وقال آخرون منهم:
بل دخلت " لا " توكيدًا للكلام.* ذكر من قال ذلك:سمعت أبا هشام الرفاعي يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: قوله:
( لا أُقْسِمُ ) توكيد للقسم كقوله: لا والله. وقال بعض نحويِّي الكوفة:
لا ردّ لكلام قد مضى من كلام المشركين الذين كانوا ينكرون الجنة والنار، ثم ابتدئ القسم، فقيل:
أقسم بيوم القيامة، وكان يقول: كلّ يمين قبلها ردّ لكلام،
فلا بدّ من تقديم " لا " قبلها، ليفرق بذلك بين اليمين التي تكون جحدًا، واليمين التي تستأنف،
ويقول: ألا ترى أنك تقول مبتدئا: والله إن الرسول لحقّ; وإذا قلت:
لا والله إن الرسول لحقّ، فكأنك أكذبت قوما أنكروه.واختلفوا أيضا في ذلك، هل هو قسم أم لا؟ فقال بعضهم:
هو قسم أقسم ربنا بيوم القيامة، وبالنفس اللوّامة.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال:
ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الخير بن تميم،
عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس:
ممن أنت ؟ فقلت: من أهل العراق، فقال:
أيهم ؟ فقلت: من بني أسد، فقال:
من حريبهم (5) ، أو ممن أنعم الله عليهم ؟ فقلت: لا بل ممن أنعم الله عليهم،
فقال لي: سل، فقلت:
لا أقسم بيوم القيامة، فقال: يقسم ربك بما شاء من خلقه.-----------------الهوامش :(4) ( لا ) زيادة يقتضيها المعنى(5) لعل المراد بالحريب هنا:
الفقير المحروب، أي: الذي ذهب ماله.