قوله تعالى : وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارافيه مسائل :الأولى : دعا عليهم حين يئس من اتباعهم إياه .
وقال قتادة : دعا عليهم بعد أن أوحى الله إليه : أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فأجاب الله دعوته وأغرق أمته ; وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم :
" اللهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، وهازم الأحزاب ،
اهزمهم وزلزلهم " . وقيل : سبب دعائه أن رجلا من قومه حمل ولدا صغيرا على كتفه فمر بنوح فقال :
( احذر هذا فإنه يضلك ) . فقال : يا أبت أنزلني ; فأنزله فرماه فشجه ; فحينئذ غضب ودعا عليهم .
وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن زيد : إنما قال هذا حينما أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم . وأعقم أرحام النساء وأصلاب الرجال قبل العذاب بسبعين سنة .
وقيل : بأربعين . قال قتادة :
ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب . وقال الحسن وأبو العالية : لو أهلك الله أطفالهم معهم كان عذابا من الله لهم وعدلا فيهم ; ولكن الله أهلك أطفالهم وذريتهم بغير عذاب ،
ثم أهلكهم بالعذاب ; بدليل قوله تعالى : وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم .الثانية : قال ابن العربي :
" دعا نوح على الكافرين أجمعين ، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على من تحزب على المؤمنين وألب عليهم . وكان هذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة ،
فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه ; لأن مآله عندنا مجهول ، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة . وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء عتبة وشيبة وأصحابهما ; لعلمه بمآلهم وما كشف له من الغطاء عن حالهم .
والله أعلم " .قلت : قد مضت هذه المسألة مجودة في سورة " البقرة " والحمد لله .الثالثة : قال ابن العربي :
" إن قيل لم جعل نوح دعوته على قومه سببا لتوقفه عن طلب الشفاعة للخلق من الله في الآخرة ؟ قلنا : قال الناس في ذلك وجهان : أحدهما أن تلك الدعوة نشأت عن غضب وقسوة ; والشفاعة تكون عن رضا ورقة ،
فخاف أن يعاتب ويقال : دعوت على الكفار بالأمس وتشفع لهم اليوم . الثاني أنه دعا غضبا بغير نص ولا إذن صريح في ذلك ; فخاف الدرك فيه يوم القيامة ; كما قال موسى عليه السلام :
( إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها ) . قال : وبهذا أقول والله أعلم " .قلت :
وإن كان لم يؤمر بالدعاء نصا فقد قيل له : أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن . فأعلم عواقبهم فدعا عليهم بالهلاك ; كما دعا نبينا صلى الله عليه وسلم على شيبة وعتبة ونظرائهم فقال :
" اللهم عليك بهم " لما أعلم عواقبهم ; وعلى هذا يكون فيه معنى الأمر بالدعاء . والله أعلم .الرابعة : قوله تعالى :
ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا أي من يسكن الديار ; قاله السدي . وأصله ديوار على فيعال من دار يدور ; فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى . مثل القيام ; أصله قيوام .
ولو كان فعالا لكان دوارا . وقال القتبي : أصله من الدار ; أي نازل بالدار .
يقال : ما بالدار ديار ; أي أحد . وقيل :
الديار صاحب الدار .