قوله تعالى أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : أولم ينظروا عجب من إعراضهم عن النظر في آياته ; ليعرفوا كمال قدرته ،
حسب ما بيناه في سورة " البقرة " . والملكوت من أبنية المبالغة ومعناه الملك العظيم .الثانية : استدل بهذه الآية - وما كان مثلها من قوله تعالى :
قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وقوله تعالى : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وقوله : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت الآية .
وقوله : وفي أنفسكم أفلا تبصرون - من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته . قالوا :
وقد ذم الله تعالى من لم ينظر ، وسلبهم الانتفاع بحواسهم فقال : لهم قلوب لا يفقهون بها الآية .وقد اختلف العلماء في أول الواجبات ،
هل هو النظر والاستدلال ، أو الإيمان الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة . فذهب القاضي وغيره إلى أن أول الواجبات النظر والاستدلال ; لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة ،
وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته . وإلى هذا ذهب البخاري رحمه الله حيث بوب في كتابه باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل : فاعلم أنه لا إله إلا الله .
قال القاضي : من لم يكن عالما بالله فهو جاهل ، والجاهل به كافر .
قال ابن رشد في مقدماته : وليس هذا بالبين ; لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد ، وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد الله إلى الاعتبار به في غير ما آية .
قال : وقد استدل الباجي على من قال إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلد مؤمنين . قال :
فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال . قال : وأيضا فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم :
لا يحل لكم قتلنا ; لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل . قال : وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم ،
وألا يقتلوا حتى ينظروا ويستدلوا .قلت : هذا هو الصحيح في الباب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله . وترجم ابن المنذر في كتاب الأشراف " ذكر صفة كمال الإيمان " أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ،
وأن كل ما جاء به محمد حق ، وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام - وهو بالغ صحيح العقل - أنه مسلم . وإن رجع بعد ذلك وأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد .
وقال أبو حفص الزنجاني وكان شيخنا القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السمناني يقول : أول الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به ، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى ; فيتقدم وجوب الإيمان بالله تعالى عنده على المعرفة بالله .
قال : وهذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق ; لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والاستدلال . فلو قلنا :
إن أول الواجبات المعرفة بالله لأدى إلى تكفير الجم الغفير والعدد الكثير ، وألا يدخل الجنة إلا آحاد الناس ، وذلك بعيد ; لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قطع بأن أكثر أهل الجنة أمته ،
وأن أمم الأنبياء كلهم صف واحد وأمته ثمانون صفا . وهذا بين لا إشكال فيه . والحمد لله .الثالثة :
ذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو كافر ; فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين ، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه . وقد أورد على بعضهم هذا فقال :
لا تشنع علي بكثرة أهل النار . أو كما قال . قلت :
وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه ; لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين ، واقتحموا في تكفير عامة المسلمين . أين هذا من قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول ،
وانتهره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
لقد حجرت واسعا . خرجه البخاري والترمذي وغيرهما من الأئمة . أترى هذا الأعرابي عرف الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان ؟ وأن رحمته وسعت كل شيء ،
وكم من مثله محكوم له بالإيمان . بل اكتفى صلى الله عليه وسلم من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين ، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك .
ألا تراه لما قال للسوداء : أين الله ؟ قالت : في السماء .
قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله .
قال : أعتقها فإنها مؤمنة . ولم يكن هناك نظر ولا استدلال ،
بل حكم بإيمانهم من أول وهلة ، وإن كان هناك عن النظر والمعرفة غفلة . والله أعلم .الرابعة :
ولا يكون النظر أيضا والاعتبار في الوجوه الحسان من المرد والنسوان . قال أبو الفرج الجوزي : قال أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد ،
وربما زينته بالحلي والمصبغات من الثياب ، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع . وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم .
قال أبو الفرج : وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل لم يحل الله النظر إلا على صورة لا ميل للنفس إليها ، ولا حظ للهوى فيها ; بل عبرة لا يمازجها شهوة ،
ولا يقارنها لذة . ولذلك ما بعث الله سبحانه امرأة بالرسالة ، ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا ; كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة .
فمن قال : أنا أجد من الصور المستحسنة عبرا كذبناه . وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا كذبناه ،
وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين . وقال بعض الحكماء : كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير ،
ولذلك قال تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وقال : وفي أنفسكم أفلا تبصرون .
وقد بينا وجه التمثيل في أول الأنعام . فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ويتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقا إلى كونه خلقا سويا ، يعان بالأغذية ويربى بالرفق ،
ويحفظ باللين حتى يكتسب القوى ، ويبلغ الأشد . وإذا هو قد قال :
أنا ، وأنا ، ونسي حين أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ،
وسيعود مقبورا ; فيا ويحه إن كان محسورا . قال الله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين إلى قوله :
تبعثون فينظر أنه عبد مربوب مكلف ، مخوف بالعذاب إن قصر ، مرتجيا بالثواب إن ائتمر ،
فيقبل على عبادة مولاه فإنه وإن كان لا يراه يراه ولا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه ، ولا يتكبر على أحد من عباد الله ; فإنه مؤلف من أقذار ، مشحون من أوضار ،
صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار . وقال ابن العربي : وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت هذه الأوصاف العملية :كيف يزهو من رجيعه أبد الدهر ضجيعهفهو منه وإليه وأخوه ورضيعهوهو يدعوه إلى الحش بصغر فيطيعهقوله تعالى وما خلق الله من شيء معطوف على ما قبله ; أي وفيما خلق الله من الأشياء .وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت ; فهو في موضع خفض معطوف على ما قبله .
وقال ابن عباس : أراد باقتراب الأجل يوم بدر ويوم أحد .فبأي حديث بعده يؤمنون أي بأي قرآن غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون . وقيل :
الهاء للأجل ، على معنى بأي حديث بعد الأجل يؤمنون حين لا ينفع الإيمان ; لأن الآخرة ليست بدار تكليف .