قوله تعالى فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى فإذا جاءتهم الحسنة أي الخصب والسعة . قالوا لنا هذه أي أعطيناها باستحقاق .وإن تصبهم سيئة أي قحط ومرض وهي المسألة :الثانية :
يطيروا بموسى أي يتشاءموا به . نظيره وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك . والأصل " يتطيروا " أدغمت التاء في الطاء .
وقرأ طلحة : ( تطيروا ) على أنه فعل ماض . والأصل في هذا من الطيرة وزجر الطير ،
ثم كثر استعمالهم حتى قيل لكل من تشاءم : تطير . وكانت العرب تتيمن بالسانح :
وهو الذي يأتي من ناحية اليمين . وتتشاءم بالبارح : وهو الذي يأتي من ناحية الشمال .
وكانوا يتطيرون أيضا بصوت الغراب ; ويتأولونه البين . وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور ، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك .
وهكذا الظباء إذا مضت سانحة أو بارحة ، ويقولون إذا برحت : " من لي بالسانح بعد البارح " .
إلا أن أقوى ما عندهم كان يقع في جميع الطير ; فسموا الجميع تطيرا من هذا الوجه . وتطير الأعاجم إذا رأوا صبيا يذهب به إلى المعلم بالغداة ، ويتيمنون برؤية صبي يرجع من عند المعلم إلى بيته ،
ويتشاءمون برؤية السقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة ، ويتيمنون برؤية فارغ السقاء مفتوحة قربته ; ويتشاءمون بالحمال المثقل بالحمل ، والدابة الموقرة ،
ويتيمنون بالحمال الذي وضع حمله ، وبالدابة يحط عنها ثقلها . فجاء الإسلام بالنهي عن التطير والتشاؤم بما يسمع من صوت طائر ما كان ،
وعلى أي حال كان ; فقال عليه السلام : أقروا الطير على مكناتها . وذلك أن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة أتى الطير في وكرها فنفرها ; فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته ،
وهذا هو السانح عندهم . وإن أخذت ذات الشمال رجع ، وهذا هو البارح عندهم .
فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا بقوله : أقروا الطير على مكناتها هكذا في الحديث . وأهل العربية يقولون :
" وكناتها " قال امرؤ القيس :وقد أغتدي والطير في وكناتهاوالوكنة : اسم لكل وكر وعش . والوكن :
موضع الطائر الذي يبيض فيه ويفرخ ، وهو الخرق في الحيطان والشجر . ويقال :
وكن الطائر يكن وكونا إذا حضن بيضه . وكان أيضا من العرب من لا يرى التطير شيئا ، ويمدحون من كذب به .
قال المرقش :ولقد غدوت وكنت لا أغدو على واق وحاتمفإذا الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائموقال عكرمة : كنت عند ابن عباس فمر طائر يصيح ; فقال رجل من القوم : خير ،
خير . فقال ابن عباس : ما عند هذا لا خير ولا شر .قال علماؤنا :
وأما أقوال الطير فلا تعلق لها بما يجعل دلالة عليه ، ولا لها علم بكائن فضلا عن مستقبل فتخبر به ، ولا في الناس من يعلم منطق الطير ; إلا ما كان الله تعالى خص به سليمان صلى الله عليه وسلم من ذلك ،
فالتحق التطير بجملة الباطل . والله أعلم . وقال صلى الله عليه وسلم :
ليس منا من تحلم أو تكهن أو رده عن سفره تطير . وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الطيرة شرك - ثلاثا - وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل .
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك . قيل :
وما كفارة ذلك يا رسول الله ؟ قال : أن يقول أحدهم : اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضي لحاجته .
وفي خبر آخر : إذا وجد ذلك أحدكم فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت لا حول ولا قوة إلا بك . ثم يذهب متوكلا على الله ; فإن الله يكفيه ما وجد في نفسه من ذلك ،
وكفاه الله تعالى ما يهمه . وقد تقدم في " المائدة " الفرق بين الفأل والطيرة .ألا إنما طائرهم عند الله وقرأ الحسن ( طيرهم ) جمع طائر . أي ما قدر لهم وعليهم .ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ما لحقهم من القحط والشدائد إنما هو من عند الله عز وجل بذنوبهم لا من عند موسى وقومه .