فأنزل الله عليها نارًا أحرقتها ليلا وهم نائمون، فأصبحت محترقة سوداء كالليل المظلم.
تفسير سورة القلم - الآية 20
فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِیمِ
التفاسير العلمية(8)
«فأصبحت كالصريم» كالليل الشديد الظلمة، أي سوداء.
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ أي: كالليل المظلم، ذهبت الأشجار والثمار،
هذا وهم لا يشعرون بهذا الواقع الملم.
( فأصبحت كالصريم ) قال ابن عباس : أي كالليل الأسود . وقال الثوري ،
والسدي : مثل الزرع إذا حصد ، أي هشيما يبسا .وقال ابن أبي حاتم :
ذكر عن أحمد بن الصباح : أنبأنا بشر بن زاذان ، عن عمر بن صبح ،
عن ليث بن أبي سليم ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن ابن مسعود قال :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إياكم والمعاصي ، إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هيئ له " ،
ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم ) قد حرموا خير جنتهم بذنبهم .
( فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كالصريم )والطائف : مأخوذ من الطواف ،
وهو المشى حول الشئ من كل نواحيه ومنه الطواف حول الكعبة . وأكثر ما يستعمل لفظ الطائف فى الشر كما هنا ، ومنه قوله - تعالى - :
( إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) وعدى لفظ " طائف " بحرف " على " لتضمينه معنى : تسلط أو نزل .والصريم - كما يقول القرطبى - : الليل المظلم .
. أى : احترقت فصارت كالليل الأسود .وعن ابن عباس :
كالرماد الأسود . أو : كالزرع المحصود .
فالصريم بمعنى المصروم ، أى : المقطوع ما فيه .
.أى : أقسم هؤلاء الجاحدون على أن لا يعطو شيئا من جنتهم للمحتاجين ، فكانت نتيجة نيتهم السيئة ،
وعزمهم على الشر . . أن نزل بهذه الحديقة بلاء أحاط بها فأهلكها ،
فصارت كالشئ المحترق الذى قطعت ثماره ، ولم يبق منه شئ ينفع .ولم يعين - سبحانه - نوع هذا الطائف ، أو كيفية نزوله ،
لأنه لا يتعلق بذكره غرض ، وإنما المقصود ما ترتب عليه من آثاتر توجب الاعتبار .وتنكير لفظ ( طَآئِفٌ ) للتهويل . و ( من ) فى قوله ( مِّن رَّبِّكَ ) للابتداء والتقييد بكونه من الرب - عز وجل - لإِفادة أنه بلاء لا قبل لأحد من الخلق بدفعه .قال القرطبى :
فى هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإِنسان ، لأنهم عزموا على أن يفعلوا ، فعوقبوا قبل فعلهم .
ومثله قوله - تعالى - : ( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) وفى الحديث الصحيح : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما ،
فالقاتل والمقتول فى النار . قيل : يا رسول الله ،
هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه " .
( فأصبحت كالصريم ) كالليل المظلم الأسود . قال الحسن : أي صرم منها الخير فليس فيها شيء .وقال الأخفش :
كالصبح الصريم من الليل وأصل " الصريم " المصروم ، مثل : قتيل ومقتول ،
وكل شيء قطع فهو صريم [ فالليل صريم ] والصبح صريم لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه .وقال ابن عباس : كالرماد الأسود بلغة خزيمة .
قوله تعالى : فأصبحت كالصريم أي كالليل المظلم عن ابن عباس والفراء وغيرهما . قال الشاعر :تطاول ليلك الجون البهيم فما ينجاب عن صبح بهيمأي احترقت فصارت كالليل الأسود .
وعن ابن عباس أيضا : كالرماد الأسود . قال :
الصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة . الثوري : كالزرع المحصود .
فالصريم بمعنى المصروم ؛ أي المقطوع ما فيه . وقال الحسن :
صرم عنها الخير أي قطع ; فالصريم مفعول أيضا . وقال المؤرج : أي كالرملة انصرمت من معظم الرمل .
يقال : صريمة وصرائم ; فالرملة لا تنبت شيئا ينتفع به . وقال الأخفش :
أي كالصبح انصرم من الليل . وقال المبرد : أي كالنهار ; فلا شيء فيها .
قال شمر : الصريم الليل والصريم النهار ; أي ينصرم هذا عن ذاك وذاك عن هذا . وقيل :
سمي الليل صريما لأنه يقطع بظلمته عن التصرف ; ولهذا يكون فعيل بمعنى فاعل . قال القشيري : وفي هذا نظر ; لأن النهار يسمى صريما ولا يقطع عن تصرف .
وقوله: (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) اختلف أهل التأويل في الذي عُني بالصريم، فقال بعضهم:
عني به الليل الأسود، وقال بعضهم: معنى ذلك:
فأصبحت جنّتهم محترقة سوداء كسواد الليل المظلم البهيم.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا عبد الرزاق،
قال: ثنا هشيم، قال:
أخبرنا شيخ لنا عن شيخ من كلب يقال له: سليمان عن ابن عباس، في قوله:
(فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) قال: الصَّرِيم: الليل.قال:
وقال في ذلك أبو عمرو بن العلاء رحمه الله.ألا بَكَرَتْ وَعاذِلَتِني تَلُومُتُهَجِّدُنِي وَما انْكَشَفَ الصَّرِيمُ (4)وقال أيضا:تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ البهِيمُفَمَا يَنْجاب عَنْ صُبْحٍ صريمإذَا ما قُلْتَ أقْشَعَ أوْ تَنَاهَىجَرَتْ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ غُيُومُ (5)وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأصبحت كأرض تدعى الصريم معروفة بهذا الاسم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى،
قال: ثنا ابن ثور، عن معمر،
قال: أخبرني نعيم بن عبد الرحمن أنه سمع سعيد بن جُبير يقول: هي أرض باليمن يقال لها ضَرْوان من صنعاء على ستة أميال.--------------------الهوامش :(4) نسب المؤلف البيت إلى أبي عمرو بن العلاء.
ولعله يريد أنه مما أنشده أبو عمرو يقول: استيقظت هذه المرأة قبل أن ينكشف الليل عن الصبح، توقظني حين هبت عاذلتي تلومني.
قال في اللسان: هجد. قال ابن بزرج:
أهجدت الرجل: أنمته، وهجدته بالتشديد:
أيقظته. والصريم: الليل.
وقال الفراء في معاني القرآن (339) فأصبحت كالصريم: أي احترقت، فصارت سوداء مثل الليل المسود.
ا ه وفي اللسان (صرم) عن ثعلب، فأصبحت كالصريم: أي احترقت فصارت سوداء مثل الليل.
ا ه . ويقال: كالشيء المصروم،
الذي ذهب ما فيه،. وقيل : الصريم:
أرض سوداء لا تنبت شيئا. وقال الجوهري : أي احترقت واسودت.(5) أنشد اللسان:
(صرم) البيت الأول من هذا الشاهد، وقال : قال ابن بري:
وأنشد أبو عمرو: "تطاول ليلك.." البيت، فالبيتان إذن ليسا لأبي عمرو،
وإنما هو أنشدهما، وكذلك بيت الشاهد الذي قبلهما. والجون:
الأسود، والبهيم: الخالص السواد،
لا بياض فيه. وينجاب: ينكشف ويزول.
وصريم: أي ليل. وأقشع:
زال. وتناهى: انتهى.
وهذا الشاهد في معنى الشاهد الذي قبله، وهو أن الصريم بمعنى: الليل الشديد السواد.