وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم ، كما قال تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ) [ آل عمران :
28 ] .قال : قتادة كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده ، فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حكم عدل ،
لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه .وقال ابن جرير : حدثنا إسماعيل بن حفص الأبلي ، حدثنا محمد بن جعفر ،
عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان قال :
كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس ، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها ، وكانت ترى بيتها في الجنة .ثم رواه عن محمد بن عبيد المحاربي ،
عن أسباط بن محمد ، عن سليمان التيمي ، به .ثم قال ابن جرير :
حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن هشام الدستوائي ،
حدثنا القاسم بن أبي بزة ، قال : كانت امرأة فرعون تسأل :
من غلب ؟ فيقال : غلب موسى ، وهارون .
فتقول : آمنت برب موسى ، وهارون ،
فأرسل إليها فرعون ، فقال : انظروا أعظم صخرة تجدونها ،
فإن مضت على قولها فألقوها عليها ، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته ، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها في الجنة ،
فمضت على قولها ، وانتزع روحها ، وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح .فقولها :
( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) قال العلماء : اختارت الجار قبل الدار . وقد ورد شيء من ذلك في حديث مرفوع ،
( ونجني من فرعون وعمله ) أي : خلصني منه ، فإني أبرأ إليك من عمله ،
( ونجني من القوم الظالمين ) وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم ، رضي الله عنها .وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ،
عن أبي العالية قال : كان إيمان امرأة فرعون من قبل إيمان امرأة خازن فرعون ، وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون ،
فوقع المشط من يدها ، فقالت تعس من كفر بالله ؟ فقالت لها ابنة فرعون : ولك رب غير أبي ؟ قالت :
ربي ، ورب أبيك ، ورب كل شيء الله .
فلطمتها بنت فرعون وضربتها ، وأخبرت أباها ، فأرسل إليها فرعون ،
فقال : تعبدين ربا غيري ؟ قالت : نعم ،
ربي ، وربك ، ورب كل شيء الله .
وإياه أعبد فعذبها فرعون ، وأوتد لها أوتادا ، فشد رجليها ،
ويديها ، وأرسل عليها الحيات ، وكانت كذلك ،
فأتى عليها يوما ، فقال لها : ما أنت منتهية ؟ فقالت له :
ربي ، وربك ، ورب كل شيء الله .
فقال لها : إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي . فقالت له :
اقض ما أنت قاض . فذبح ابنها في فيها ، وإن روح ابنها بشرها ،
فقال لها : أبشري يا أمه ، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا .
فصبرت ثم أتى عليها فرعون يوما آخر فقال لها مثل ذلك ، فقالت له مثل ذلك ، فذبح ابنها الآخر في فيها ،
فبشرها روحه أيضا ، وقال لها . اصبري يا أمه ،
فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا . قال : وسمعت امرأة فرعون كلام روح ابنها الأكبر ،
ثم الأصغر ، فآمنت امرأة فرعون ، وقبض الله روح امرأة خازن فرعون ،
وكشف الغطاء عن ثوبها ، ومنزلتها ، وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت ،
فازدادت إيمانا ويقينا ، وتصديقا ، فاطلع فرعون على إيمانها ،
فقال للملإ ما تعلمون من آسية بنت مزاحم ؟ فأثنوا عليها ، فقال لهم : إنها تعبد غيري .
فقالوا له : اقتلها . فأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها ،
فدعت آسية ربها فقالت : ( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) فوافق ذلك أن حضرها فرعون فضحكت حين رأت بيتها في الجنة ، فقال فرعون :
ألا تعجبون من جنونها ، إنا نعذبها وهي تضحك ، فقبض الله روحها ،
رضي الله عنها .