يقول تعالى : فإذا بلغت المعتدات أجلهن ، أي :
شارفن على انقضاء العدة وقاربن ذلك ، ولكن لم تفرغ العدة بالكلية ، فحينئذ إما أن يعزم الزوج على إمساكها ،
وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده . ( بمعروف ) أي : محسنا إليها في صحبتها ،
وإما أن يعزم على مفارقتها ( بمعروف ) أي : من غير مقابحة ، ولا مشاتمة ،
ولا تعنيف ، بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن .وقوله : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) أي :
على الرجعة إذا عزمتم عليها ، كما رواه أبو داود ، وابن ماجه ،
عن عمران بن حصين : أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ، ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ،
ولا على رجعتها ، فقال : طلقت لغير سنة ،
ورجعت لغير سنة ، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ، ولا تعدوقال ابن جريج :
كان عطاء يقول : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) قال : لا يجوز في نكاح ،
ولا طلاق ، ولا رجاع إلا شاهدا عدل ، كما قال الله ،
عز وجل ، إلا أن يكون من عذر .وقوله : ( ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ) أي :
هذا الذي أمرناكم به من الإشهاد وإقامة الشهادة ، إنما يأتمر به من يؤمن بالله وأنه شرع هذا ، ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة .ومن ها هنا ذهب الشافعي - في أحد قوليه - إلى وجوب الإشهاد في الرجعة ،
كما يجب عنده في ابتداء النكاح . وقد قال بهذا طائفة من العلماء ، ومن قال بهذا يقول :
إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإشهاد عليها .وقوله : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) أي : ومن يتق الله فيما أمره به ،
وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، أي :
من جهة لا تخطر بباله .قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، أخبرنا كهمس بن الحسن ،
حدثنا أبو السليل ، عن أبي ذر قال : جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو علي هذه الآية :
( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) حتى فرغ من الآية ، ثم قال : " يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم " .
وقال : فجعل يتلوها ويرددها علي حتى نعست ، ثم قال :
" يا أبا ذر ، كيف تصنع إن أخرجت من المدينة ؟ . " قلت :
إلى السعة والدعة أنطلق ، فأكون حمامة من حمام مكة . قال :
" كيف تصنع إن أخرجت من مكة ؟ " . قال : قلت :
إلى السعة والدعة ، وإلى الشام ، والأرض المقدسة .
قال : " وكيف تصنع إن أخرجت من الشام ؟ " . قلت :
إذا - والذي بعثك بالحق - أضع سيفي على عاتقي . قال : " أوخير من ذلك ؟ " .
قلت : أوخير من ذلك ؟ قال : " تسمع وتطيع ،
وإن كان عبدا حبشيا "وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا يعلى بن عبيد ،
حدثنا زكريا ، عن عامر ، عن شتير بن شكل قال :
سمعت عبد الله بن مسعود يقول : إن أجمع آية في القرآن : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) [ النحل :
90 ] وإن أكثر آية في القرآن فرجا : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا )وفي المسند : حدثني مهدي بن جعفر ،
حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الحكم بن مصعب ، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ،
عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب "وقال علي بن أبي طلحة ،
عن ابن عباس : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) يقول : ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة ،
( ويرزقه من حيث لا يحتسب )وقال الربيع بن خثيم : ( يجعل له مخرجا ) أي : من كل شيء ضاق على الناس .وقال عكرمة :
من طلق كما أمره الله يجعل له مخرجا . وكذا روي عن ابن عباس ، والضحاك .وقال ابن مسعود ،
ومسروق : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) يعلم أن الله إن شاء منع ، وإن شاء أعطى ( من حيث لا يحتسب ) أي من حيث لا يدري .وقال قتادة :
( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) أي : من شبهات الأمور والكرب عند الموت ، ( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ومن حيث لا يرجو أو لا يأمل .وقال السدي :
( ومن يتق الله ) يطلق للسنة ، ويراجع للسنة ، وزعم أن رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقال له :
" عوف بن مالك الأشجعي " كان له ابن ، وأن المشركين أسروه ، فكان فيهم ،
وكان أبوه يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيشكو إليه مكان ابنه وحاله التي هو بها وحاجته ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمره بالصبر ، ويقول له :
" إن الله سيجعل لك فرجا " ، فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا أن انفلت ابنه من أيدي العدو فمر بغنم من أغنام العدو ، فاستاقها فجاء بها إلى أبيه ،
وجاء معه بغنى قد أصابه من الغنم ، فنزلت فيه هذه الآية : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب )رواه ابن جرير ،
وروي أيضا من طريق سالم بن أبي الجعد ، مرسلا نحوهوقال الإمام أحمد ، حدثنا ،
وكيع ، حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن عيسى ،
عن عبد الله بن أبي الجعد ، عن ثوبان ، قال :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يرد القدر إلا الدعاء ،
ولا يزيد في العمر إلا البر " .ورواه النسائي ، وابن ماجه من حديث سفيان - وهو الثوري - بهوقال محمد بن إسحاق : جاء مالك الأشجعي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال :
له أسر ابني عوف . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول :
لا حول ولا قوة إلا بالله " . وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه ، فخرج ،
فإذا هو بناقة لهم فركبها ، وأقبل فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه فصاح بهم ، فاتبع أولها آخرها ،
فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب ، فقال أبوه : عوف ورب الكعبة .
فقالت أمه : واسوأتاه . وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد - فاستبقا الباب والخادم ،
فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلا فقص على أبيه أمره ، وأمر الإبل ، فقال أبوه :
قفا حتى آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسأله عنها . فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بخبر عوف ، وخبر الإبل ،
فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اصنع بها ما أحببت ، وما كنت صانعا بمالك " .
ونزل : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب )رواه ابن أبي حاتم .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ،
حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، حدثنا إبراهيم بن الأشعث ، حدثنا الفضيل بن عياض ،
عن هشام بن حسان ، عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" من انقطع إلى الله كفاه الله كل مئونة ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله إليها "