قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون .فيه ثلاث عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى :
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم قرأ عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما " الجمعة " بإسكان الميم على التخفيف . وهما لغتان . وجمعهما جمع وجمعات .
قال الفراء : يقال الجمعة ( بسكون الميم ) والجمعة ( بضم الميم ) والجمعة ( بفتح الميم ) فيكون صفة اليوم ; أي تجمع الناس . كما يقال :
ضحكة للذي يضحك . وقال ابن عباس : نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرءوها جمعة ; يعني بضم الميم .
وقال الفراء وأبو عبيد : والتخفيف أقيس وأحسن ; نحو غرفة وغرف ، وطرفة وطرف ،
وحجرة وحجر . وفتح الميم لغة بني عقيل . وقيل :
إنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم . وعن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما سميت جمعة لأن الله جمع فيها خلق آدم " .
وقيل : لأن الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شيء فاجتمعت فيها المخلوقات . وقيل :
لتجتمع الجماعات فيها . وقيل : لاجتماع الناس فيها للصلاة .
و " من " بمعنى في ; أي في يوم ; كقوله تعالى : أروني ماذا خلقوا من الأرض أي في الأرض .الثانية : قال أبو سلمة :
أول من قال : " أما بعد " كعب بن لؤي ، وكان أول من سمى الجمعة جمعة .
وكان يقال ليوم الجمعة : العروبة . وقيل :
أول من سماها جمعة الأنصار . قال ابن سيرين : جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ،
وقبل أن تنزل الجمعة ; وهم الذين سموها الجمعة ; وذلك أنهم قالوا : إن لليهود يوما يجتمعون فيه ، في كل سبعة أيام يوم وهو السبت .
وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه - ونستذكر - أو كما قالوا - فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى ; فاجعلوه يوم العروبة .
فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة ( أبو أمامة رضي الله عنه ) فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم ، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا . فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم .
فهذه أول جمعة في الإسلام .قلت : وروي أنهم كانوا اثني عشر رجلا على ما يأتي . وجاء في هذه الرواية أن الذي جمع بهم وصلى أسعد بن زرارة ،
وكذا في حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب على ما يأتي . وقال البيهقي : وروينا عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أن مصعب بن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال البيهقي : يحتمل أن يكون مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه . والله أعلم .وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ; فقال أهل السير والتواريخ :
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا حتى نزل بقباء على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى . ومن تلك السنة يعد التاريخ . فأقام بقباء إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم .
ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة ; فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا ; فجمع بهم وخطب . وهي أول خطبة خطبها بالمدينة ، وقال فيها :
" الحمد لله . أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه ، وأومن به ولا أكفره ،
وأعادي من يكفر به . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ،
أرسله بالهدى ودين الحق ، والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل ، وقلة من العلم ،
وضلالة من الناس ، وانقطاع من الزمان ، ودنو من الساعة ،
وقرب من الأجل . من يطع الله ورسوله فقد رشد . ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا .
أوصيكم بتقوى الله ، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة ، وأن يأمره بتقوى الله .
واحذروا ما حذركم الله من نفسه ; فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة . ومن يصلح الذي بينه وبين ربه من أمره في السر والعلانية ، لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره ،
وذخرا فيما بعد الموت ، حين يفتقر المرء إلى ما قدم . وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا .
ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد . هو الذي صدق قوله ، وأنجز وعده ،
لا خلف لذلك ; فإنه يقول تعالى : ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد . فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية ; فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا .
ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما . وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه . وإن تقوى الله تبيض الوجوه ،
وترضي الرب ، وترفع الدرجة . فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله ،
فقد علمكم كتابه ، ونهج لكم سبيله ; ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين . فأحسنوا كما أحسن الله إليكم ،
وعادوا أعداءه ، وجاهدوا في الله حق جهاده ; هو اجتباكم وسماكم المسلمين . ليهلك من هلك عن بينة ،
ويحيا من حي عن بينة . ولا حول ولا قوة إلا بالله . فأكثروا ذكر الله تعالى ،
واعملوا لما بعد الموت ; فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس . ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ، ويملك من الناس ولا يملكون منه .
الله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " .وأول جمعة جمعت بعدها جمعة بقرية يقال لها : " جواثي " من قرى البحرين .
وقيل : إن أول من سماها الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب ; كما تقدم . والله أعلم .الثالثة :
خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما فقال : يا أيها الذين آمنوا ، ثم خصه بالنداء ،
وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى : وإذا ناديتم إلى الصلاة ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه . وقال بعض العلماء :
كون الصلاة الجمعة هاهنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ . قال ابن العربي : وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي قول :
" من يوم الجمعة " وذلك يفيده ; لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة . فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام . ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة . الرابعة :
فقد تقدم حكم الأذان في سورة " المائدة " مستوفى . وقد كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوات ; يؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر . وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة .
ثم زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا على داره التي تسمى " الزوراء " حين كثر الناس بالمدينة . فإذا سمعوا أقبلوا ; حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يخطب عثمان .
خرجه ابن ماجه في سننه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد ; إذا خرج أذن وإذا نزل أقام . وأبو بكر وعمر كذلك .
فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها " الزوراء " ; فإذا خرج أذن وإذا نزل أقام . خرجه البخاري من طرق بمعناه . وفي بعضها :
أن الأذان الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام . وقال الماوردي :
فأما الأذان الأول فمحدث ، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها . وقد كان عمر رضي الله عنه أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم ،
فإذا اجتمعوا أذن في المسجد ، فجعله عثمان رضي الله عنه أذانين في المسجد . قاله ابن العربي .
وفي الحديث الصحيح : أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا ، فلما كان زمن عثمان زاد الأذان الثالث على الزوراء ،
وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى الإقامة ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " بين كل أذانين صلاة لمن شاء " يعني الأذان والإقامة .
ويتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما ، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم . ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المنبر في جماعة ،
كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية . وكل ذلك محدث .الخامسة : قوله تعالى :
فاسعوا إلى ذكر الله اختلف في معنى السعي هاهنا على ثلاثة أقوال : أولها : القصد .
قال الحسن : والله ما هو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية . الثاني :
أنه العمل ، كقوله تعالى : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ،
وقوله : إن سعيكم لشتى ، وقوله :
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . وهذا قول الجمهور . وقال زهير :
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم وقال أيضا :سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدمأي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله ، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتوجه إليه . الثالث :
أن المراد به السعي على الأقدام . وذلك فضل وليس بشرط . ففي البخاري :
أن أبا عبس بن جبر - واسمه عبد الرحمن وكان من كبار الصحابة - مشى إلى الجمعة راجلا وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار .
ويحتمل ظاهره . رابعا : وهو الجري والاشتداد .
قال ابن العربي : وهو الذي أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون . وقرأها عمر :
" فامضوا إلى ذكر الله " فرارا عن طريق الجري والاشتداد الذي يدل على الظاهر . وقرأ ابن مسعود كذلك وقال : لو قرأت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي .
وقرأ ابن شهاب : " فامضوا إلى ذكر الله سالكا تلك السبيل " . وهو كله تفسير منهم ; لا قراءة قرآن منزل .
وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير . قال أبو بكر الأنباري : وقد احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وابن مسعود ،
وأن خرشة بن الحر قال : رآني عمر رضي الله عنه ومعي قطعة فيها : فاسعوا إلى ذكر الله فقال لي عمر :
من أقرأك هذا ؟ قلت : أبي . فقال :
إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ . ثم قرأ عمر " فامضوا إلى ذكر الله " . حدثنا إدريس قال :
حدثنا خلف قال : حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم عن خرشة ; فذكره . وحدثنا محمد بن يحيى أخبرنا محمد وهو ابن سعدان قال :
حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر يقرأ قط إلا " فامضوا إلى ذكر الله " . وأخبرنا إدريس قال :
حدثنا خلف قال : حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود قرأ " فامضوا إلى ذكر الله " وقال : لو كانت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي .
قال أبو بكر : فاحتج عليه بأن الأمة أجمعت على فاسعوا برواية ذلك عن الله رب العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم . فأما عبد الله بن مسعود فما صح عنه " فامضوا " لأن السند غير متصل ; إذ إبراهيم النخعي لم يسمع عن عبد الله بن مسعود شيئا ،
وإنما ورد " فامضوا " عن عمر رضي الله عنه . فإذا انفرد أحد بما يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسيانا منه . والعرب مجمعة على أن السعي يأتي بمعنى المضي ; غير أنه لا يخلو من الجد والانكماش .
قال زهير :سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدمأراد بالسعي المضي بجد وانكماش ، ولم يقصد للعدو والإسراع في الخطو . وقال الفراء وأبو عبيدة :
معنى السعي في الآية المضي . واحتج الفراء بقولهم : هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله ; معناه هو يمضي بجد واجتهاد .
واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر :أسعى على جل بني مالك كل امرئ في شأنه ساعيفهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالانكماش ; ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحته وإتقان عربيته .قلت : ومما يدل على أنه ليس المراد هاهنا العدو قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ،
ولكن ائتوها وعليكم السكينة " . قال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ،
ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ; ولكن بالقلوب والنية والخشوع . وقال قتادة : السعي أن تسعى بقلبك وعملك .
وهذا حسن ، فإنه جمع الأقوال الثلاثة . وقد جاء في الاغتسال للجمعة والتطيب والتزين باللباس أحاديث مذكورة في كتب الحديث .السادسة :
قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " خطاب للمكلفين بإجماع . ويخرج منه المرضى والزمنى والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل ،
والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة . روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك ،
فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه والله غني حميد " خرجه الدارقطني وقال علماؤنا رحمهم الله : ولا يتخلف أحد عن الجمعة ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه منه الإتيان إليها ; مثل المرض الحابس ، أو خوف الزيادة في المرض ،
أو خوف جور السلطان عليه في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق . والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع . ولم يره مالك عذرا له ; حكاه المهدوي .
ولو تخلف عنها متخلف على ولي حميم له قد حضرته الوفاة ، ولم يكن عنده من يقوم بأمره رجا أن يكون في سعة . وقد فعل ذلك ابن عمر .
ومن تخلف عنها لغير عذر فصلى قبل الإمام أعاد ، ولا يجزيه أن يصلي قبله . وهو في تخلفه عنها مع إمكانه لذلك عاص لله بفعله .السابعة :
قوله تعالى : إذا نودي للصلاة يختص بوجوب الجمعة على القريب الذي يسمع النداء ، فأما البعيد الدار الذي لا يسمع النداء فلا يدخل تحت الخطاب .
واختلف فيمن يأتي الجمعة من الداني والقاصي ، فقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس : تجب الجمعة على من في المصر على ستة أميال .
وقال ربيعة : أربعة أميال . وقال مالك والليث :
ثلاثة أميال . وقال الشافعي : اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذن صيتا ،
والأصوات هادئة ، والريح ساكنة وموقف المؤذن عند سور البلد . وفي الصحيح عن عائشة :
أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في الغبار ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو اغتسلتم ليومكم هذا " .
قال علماؤنا : والصوت إذا كان منيعا والناس في هدوء وسكون فأقصى سماع الصوت ثلاثة أميال . والعوالي من المدينة أقربها على ثلاثة أميال .
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : تجب الجمعة على من سمع النداء . وروى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إنما الجمعة على من سمع النداء " . وقال أبو حنيفة وأصحابه : تجب على من في المصر ،
سمع النداء أو لم يسمعه ، ولا تجب على من هو خارج المصر وإن سمع النداء . حتى سئل :
وهل تجب الجمعة على أهل زبارة - بينها وبين الكوفة مجرى نهر - ؟ فقال : لا . وروي عن ربيعة أيضا :
أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشيا أدرك الصلاة . وقد روي عن الزهري : أنها تجب عليه إذا سمع الأذان .الثامنة :
قوله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء ، والنداء لا يكون إلا بدخول الوقت ،
بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما " قاله لمالك بن الحويرث وصاحبه . وفي البخاري عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس .
وقد روي عن أبي الصديق وأحمد بن حنبل أنها تصلى قبل الزوال . وتمسك أحمد في ذلك بحديث سلمة بن الأكوع : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظل .
وبحديث ابن عمر : ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة . ومثله عن سهل .
خرجه مسلم . وحديث سلمة محمول على التبكير . رواه هشام بن عبد الملك عن يعلى بن الحارث عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه .
وروى وكيع عن يعلى عن إياس عن أبيه قال : كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء . وهذا مذهب الجمهور من الخلف والسلف ،
وقياسا على صلاة الظهر . وحديث ابن عمر وسهل ، دليل على أنهم كانوا يبكرون إلى الجمعة تبكيرا كثيرا عند الغداة أو قبلها ،
فلا يتناولون ذلك إلا بعد انقضاء الصلاة . وقد رأى مالك أن التبكير بالجمعة إنما يكون قرب الزوال بيسير . وتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم :
" من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة . . .
" الحديث بكماله - أنه كان في ساعة واحدة . وحمله سائر العلماء على ساعات النهار الزمانية الاثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة بحسب زيادة النهار ونقصانه . ابن العربي :
وهو أصح ; لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : ما كانوا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد الجمعة لكثرة البكور إليها .التاسعة : فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم ; ردا على من يقول :
إنها فرض على الكفاية ; ونقل عن بعض الشافعية . ونقل عن مالك من لم يحقق أنها سنة . وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان ; لقول الله تعالى :
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع . وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " .
وهذا حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها . وفي سنن ابن ماجه عن أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه " . إسناده صحيح . وحديث جابر بن عبد الله قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه " . ابن العربي :
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم " .العاشرة : أوجب الله السعي إلى الجمعة مطلقا من غير شرط .
وثبت شرط الوضوء بالقرآن والسنة في جميع الصلوات ; لقوله عز وجل : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية . وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
" لا يقبل الله صلاة بغير طهور " . وأغربت طائفة فقالت : إن غسل الجمعة فرض .
ابن العربي : وهذا باطل ; لما روى النسائي وأبو داود في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت .
ومن اغتسل فالغسل أفضل " . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم راح إلى الجمعة فاستمع وأنصت غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام . ومن مس الحصى فقد لغا " وهذا نص . وفي الموطأ :
أن رجلا دخل يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب . . .
- الحديث ، إلى أن قال : - ما زدت على أن توضأت ،
فقال عمر : والوضوء أيضا ؟ وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل . فأمر عمر بالغسل ولم يأمره بالرجوع ،
فدل على أنه محمول على الاستحباب . فلم يمكن وقد تلبس بالفرض - وهو الحضور والإنصات للخطبة - أن يرجع عنه إلى السنة ، وذلك بمحضر فحول الصحابة وكبار المهاجرين حوالي عمر ،
وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .الحادية عشرة : لا تسقط الجمعة لكونها في يوم عيد ، خلافا لأحمد بن حنبل فإنه قال :
إذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة ; لتقدم العيد عليها واشتغال الناس به عنها . وتعلق في ذلك بما روي أن عثمان أذن في يوم عيد لأهل العوالي أن يتخلفوا عن الجمعة . وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه .
والأمر بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام . وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة :
ب سبح اسم ربك الأعلى و هل أتاك حديث الغاشية قال : وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين . أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .الثانية عشرة :
قوله تعالى : إلى ذكر الله أي الصلاة . وقيل الخطبة والمواعظ ; قاله سعيد بن جبير .
ابن العربي : والصحيح أنه واجب في الجميع ; وأوله الخطبة . وبه قال علماؤنا ; إلا عبد الملك بن الماجشون فإنه رآها سنة .
والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع ولولا وجوبها ما حرمته ; لأن المستحب لا يحرم المباح . وإذا قلنا : إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة .
والعبد يكون ذاكرا لله بفعله كما يكون مسبحا لله بفعله . الزمخشري : فإن قلت :
كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك ؟ ! قلت : ما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله . فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم ،
وهم أحقاء بعكس ذلك ; فهو من ذكر الشيطان ، وهو من ذكر الله على مراحل .الثالثة عشرة : قوله تعالى :
وذروا البيع منع الله عز وجل منه عند صلاة الجمعة ، وحرمه في وقتها على من كان مخاطبا بفرضها . والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما ،
كقوله تعالى : سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم . وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق .
ومن لا يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء . وفي وقت التحريم قولان : إنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها ،
قاله الضحاك والحسن وعطاء . الثاني : من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة ،
قاله الشافعي . ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نودي للصلاة ، ويفسخ عنده ما وقع من ذلك من البيع في ذلك الوقت .
ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره ، إذ ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع . قالوا :
وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ . ابن العربي : والصحيح فسخ الجميع ،
لأن البيع إنما منع منه للاشتغال به . فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا . المهدوي :
ورأى بعض العلماء البيع في الوقت المذكور جائزا ، وتأول النهي عنه ندبا ، واستدل بقوله تعالى :
ذلكم خير لكم .قلت : وهذا مذهب الشافعي ; فإن البيع ينعقد عنده ولا يفسخ . وقال الزمخشري في تفسيره :
إن عامة العلماء على أن ذلك لا يؤدي فساد البيع . قالوا : لأن البيع لم يحرم لعينه ،
ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب ; فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب ، والوضوء بماء مغصوب . وعن بعض الناس أنه فاسد .قلت :
والصحيح فساده وفسخه ; لقوله عليه الصلاة والسلام : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " . أي مردود .
والله أعلم .