العودة للسورة الرحمن

تفسير سورة الرحمن - الآية 31

السورة 55
الآية 31
78 آيات
31

سَنَفۡرُغُ لَكُمۡ أَیُّهَ ٱلثَّقَلَانِ

التفاسير العلمية(8)

|

سنفرُغ لحسابكم ومجازاتكم بأعمالكما التي عملتموهما في الدنيا، أيها الثقلان- الإنس والجن-، فنعاقب أهل المعاصي،

ونُثيب أهل الطاعة.

«سنفرغ لكم» سنقصد لحسابكم «أيها الثقلان» الإنس والجن.

سَنَفْرُغُ لكم أيها الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان أي: سنفرغ لحسابكم ومجازاتكم بأعمالكم التي عملتموها في دار الدنيا.

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( سنفرغ لكم أيها الثقلان ) ،

قال : وعيد من الله للعباد ، وليس بالله شغل وهو فارغ .

وكذا قال الضحاك : هذا وعيد . وقال قتادة :

قد دنا من الله فراغ لخلقه . وقال ابن جريج : ( سنفرغ لكم ) أي :

سنقضي لكم .وقال البخاري : سنحاسبكم ، لا يشغله شيء عن شيء ،

وهو معروف في كلام العرب ، يقال لأتفرغن لك " وما به شغل ، يقول :

" لآخذنك على غرتك " .وقوله : ( أيها الثقلان ) الثقلان : الإنس والجن ،

كما جاء في الصحيح : " يسمعها كل شيء إلا الثقلين " وفي رواية : " إلا الجن والإنس " .

وفي حديث الصور : " الثقلان الإنس والجن "

ثم هدد- سبحانه- الذين يخالفون عن أمره تحذيرا شديدا، فقال: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ.

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.وجيء بحرف التنفيس الدال على القرب وهو السين للإشعار بتحقق ما أخبر به- سبحانه-.وقوله: سَنَفْرُغُ من الفراغ، وهو الخلو عما يشغل..والمراد به هنا:

القصد إلى الشيء والإقبال عليه، يقال: فلان فرغ لفلان وإليه،

إذا قصد إليه لأمر ما ...والثقلان: تثنية ثقل- بفتحتين-، وأصله كل شيء له وزن وثقل،

والمراد بهما هنا:الإنس والجن.والمعنى: سنقصد يوم القيامة إلى محاسبتكم على أعمالكم، وسنجازيكم عليها بما تستحقون،

وسيكون هذا شأننا- أيها الثقلان- في هذا اليوم العظيم.قال صاحب الكشاف: قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ مستعار من قول الرجل لمن يتهدده،

سأفرغ لك، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك، حتى لا يكون لي شغل سواه،

والمراد: التوفر على النكاية فيه، والانتقام منه.ويجوز أن يراد ستنتهى الدنيا وتبلغ آخرها،

وتنتهي عند ذلك شئون الخلق التي أرادها بقوله- تعالى-: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، فلا يبقى إلا شأن واحد،

وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل ... .

( سنفرغ لكم ) قرأ حمزة والكسائي : سيفرغ بالياء لقوله : " يسأله من في السماوات والأرض " ،

" ويبقى وجه ربك " " وله الجوار " فأتبع الخبر .وقرأ الآخرون بالنون ، وليس المراد منه الفراغ عن شغل ، لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن ،

ولكنه وعيد من الله تعالى [ للخلق ] بالمحاسبة ، كقول القائل : لأتفرغن لك ،

وما به شغل ، وهذا قول ابن عباس والضحاك وإنما حسن هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن .وقال آخرون : معناه :

سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم ، كقول القائل للذي لا شغل له : قد فرغت لي .

وقال بعضهم : إن الله وعد أهل التقوى وأوعد أهل الفجور ، ثم قال :

سنفرغ لكم مما وعدناكم وأخبرناكم ، فنحاسبكم ونجازيكم وننجز لكم ما وعدناكم ، فيتم ذلك ويفرغ منه ،

وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل .( أيها الثقلان ) أي الجن والإنس ، سميا ثقلين لأنهما ثقل على الأرض أحياء وأمواتا ، قال الله تعالى :

" وأخرجت الأرض أثقالها " ، ( الزلزلة - 2 ) وقال بعض أهل المعاني : كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل ،

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما .وقال جعفر بن محمد الصادق : سمي الجن والإنس ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب .

قوله تعالى : سنفرغ لكم أيها الثقلان يقال : فرغت من الشغل أفرغ فروغا وفراغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته .

والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه ، إنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم ، وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده :

إذا أتفرغ لك أي أقصدك . وفرغ بمعنى قصد ، وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا لجرير :الآن وقد فرغت إلى نمير فهذا حين كنت لها عذابايريد وقد قصدت .

وقال أيضا وأنشده النحاس :فرغت إلى العبد المقيد في الحجلوفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة ، صاح الشيطان : يا أهل الجباجب ! هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم ،

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا إزب العقبة أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك أي أقصد إلى إبطال أمرك . وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما .

وقيل : إن الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور ، ثم قال :

سنفرغ لكم مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه ، أي أقسم ذلك وأتفرغ منه ؛ قاله الحسن ومقاتل وابن زيد .

وقرأ عبد الله وأبي " سنفرغ إليكم " وقرأ الأعمش وإبراهيم " سيفرغ لكم " بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله . وقرأ ابن شهاب والأعرج " سنفرغ لكم " بفتح النون والراء ، قال الكسائي :

هي لغة تميم يقولون : فرغ يفرغ ، وحكى أيضا فرغ يفرغ ورواهما هبيرة عن حفص عن عاصم .

وروى الجعفي عن أبي عمرو " سيفرغ " بفتح الياء والراء ، ورويت عن ابن هرمز . وروي عن عيسى الثقفي " سنفرغ لكم " بكسر النون وفتح الراء ،

وقرأ حمزة والكسائي " سيفرغ لكم " بالياء . الباقون بالنون وهي لغة تهامة . .

والثقلان الجن والإنس ، سميا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف - وقيل : سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياء وأمواتا ،

قال الله تعالى : وأخرجت الأرض أثقالها ومنه قولهم : أعطه ثقله أي وزنه .

وقال بعض أهل المعاني : كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل . ومنه قيل لبيض النعام ثقل ،

لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به . وقال جعفر الصادق : سميا ثقلين ،

لأنهما مثقلان بالذنوب . وقال : سنفرغ لكم فجمع ،

ثم قال : أيه الثقلان لأنهما فريقان وكل فريق جمع ، وكذا قوله تعالى :

يا معشر الجن والإنس إن استطعتم ولم يقل إن استطعتما ، لأنهما فريقان في حال الجمع ، كقوله تعالى :

فإذا هم فريقان يختصمون و هذان خصمان اختصموا في ربهم ولو قال : سنفرغ لكما ، وقال :

إن استطعتما لجاز . وقرأ أهل الشام " أيه الثقلان " بضم الهاء . الباقون بفتحها وقد تقدم .مسألة :

هذه السورة و " الأحقاف " و " قل أوحي " دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء ، مؤمنهم كمؤمنهم ، وكافرهم ككافرهم ،

لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك .

القول في تأويل قوله تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (31)اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ) فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين (سَنَفَرغُ لَكُمْ ) بالنون.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( سَيَفرغ لَكُمْ ) بالياء، وفتحها ردّا على قوله: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ،

ولم يقل : يسألنا من في السموات، فأتبعوا الخبر الخبر.والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى،

فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب.وأما تأويله : فإنه وعيد من الله لعباده وتهدد، كقول القائل الذي يتهدّد غيره ويتوعده،

ولا شغل له يشغله عن عقابه، لأتفرغنّ لك، وسأتفرّغ لك،

بمعنى: سأجدّ في أمرك وأعاقبك، وقد يقول القائل للذي لا شغل له:

قد فرغت لي، وقد فرغت لشتمي: أي أخذت فيه،

وأقبلت عليه، وكذلك قوله جلّ ثناؤه: (سَنَفْرغُ لَكُمْ ):

سنحاسبكم، ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجنّ، فنعاقب أهل المعاصي،

ونثيب أهل الطاعة.وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال:

ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية،

عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:

( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ )، قال: وَعيد من الله للعباد،

وليس بالله شغل، وهو فارغ.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال:

ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة أنه تلا( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ) قال:

دنا من الله فراغ لخلقه.حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران،

عن سفيان، عن جُويبر، عن الضحاك ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ )،

قال: وعيد، وقد يحتمل أن يوجه معنى ذلك إلى:

سنفرغ لكم من وعدناكم ما وعدناكم من الثواب والعقاب.