العودة للسورة الرحمن

تفسير سورة الرحمن - الآية 19

السورة 55
الآية 19
78 آيات
19

مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ یَلۡتَقِیَانِ

التفاسير العلمية(8)

|

خلط الله ماء البحرين - العذب والملح- يلتقيان. بينهما حاجز، فلا يطغى أحدهما على الآخر،

ويذهب بخصائصه، بل يبقى العذب عذبًا، والملح ملحًا مع تلاقيهما.

«مرج» أرسل «البحرين» العذب والملح «يلتقيان» في رأي العين.

المراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر المالح،

فهما يلتقيان كلاهما، فيصب العذب في البحر المالح، ويختلطان ويمتزجان،

وقوله : ( مرج البحرين يلتقيان ) قال ابن عباس : أي أرسلهما .وقوله :

( يلتقيان ) قال ابن زيد : أي : منعهما أن يلتقيا ،

بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما .والمراد بقوله : ( البحرين ) الملح والحلو ، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس .

وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة " الفرقان " عند قوله تعالى : ( وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ) [ الفرقان : 53 ] .

وقد اختار ابن جرير هاهنا أن المراد بالبحرين : بحر السماء وبحر الأرض ، وهو مروي عن مجاهد ،

وسعيد بن جبير ، وعطية وابن أبزى .قال ابن جرير : لأن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء ،

وأصداف بحر الأرض . وهذا وإن كان هكذا ، ليس المراد [ بذلك ] ما ذهب إليه ،

فإنه لا يساعده اللفظ

ثم قال- سبحانه-: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ. بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ.

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ.وقوله: مَرَجَ من المرّج بمعنى الإرسال والتخلية،

ومنه قولهم: مرج فلان دابته. إذا أرسلها إلى المرج،

وهو المكان الذي ترعى فيه الدواب.ويصح أن يكون من المرج بمعنى الخلط، ومنه قوله- تعالى-: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أى:

مختلط، وقيل للمرعى: مرج لاختلاط الدواب فيه بعضها ببعض.والمراد بالبحرين:

البحر العذب، والبحر الملح.

" مرج البحرين "، العذب والمالح أرسلهما وخلاهما " يلتقيان ".

قوله تعالى : مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان مرج أي خلى وأرسل وأهمل ، يقال :

مرج السلطان الناس إذا أهملهم . وأصل المرج الإهمال كما تمرج الدابة في المرعى . ويقال :

مرج خلط . وقال الأخفش : ويقول قوم أمرج البحرين مثل مرج ،

فعل وأفعل بمعنى . البحرين قال ابن عباس : بحر السماء وبحر الأرض ،

وقاله مجاهد وسعيد بن جبير .يلتقيان في كل عام . وقيل : يلتقي طرفاهما .

وقال الحسن ، وقتادة : بحر فارس والروم .

وقال ابن جريج : إنه البحر المالح والأنهار العذبة . وقيل :

بحر المشرق والمغرب يلتقي طرفاهما . وقيل : بحر اللؤلؤ والمرجان .

وقوله: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) يقول تعالى ذكره: مرج ربّ المشرقين وربّ المغربين البحرين يلتقيان،

يعني بقوله: ( مَرَجَ ): أرسل وخلى،

من قولهم: مرج فلان دابته: إذا خلاها وتركها.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ،

قال: ثنا أبو صالح، قال:

ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس،

قوله: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) يقول: أرسل.واختلف أهل العلم في البحرين اللذين ذكرهما الله جلّ ثناؤه في هذه الآية،

أيّ البحرين هما؟ فقال: بعضهم: هما بحران:

أحدهما في السماء، والآخر في الأرض.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حُميد، قال:

ثنا يعقوب، عن جعفر، عن ابن أبزى ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ) قال:

بحر في السماء، وبحر في الأرض.حدثنا أبو كُرَيب، قال:

ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر عن سعيد،

في قوله: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) قال: بحر في السماء،

وبحر في الأرض.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي،

قال: ثني عمي، قال:

ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،

في قوله: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) قال: بحر في السماء والأرض يلتقيان كل عام.وقال آخرون :

عني بذلك بحر فارس وبحر الروم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران،

عن سفيان، عن زياد مولى مصعب، عن الحسن ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) قال:

بحر الروم، وبحر فارس واليمن.حدثنا بشر، قال:

ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد،

عن قتادة، قوله: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) فالبحران:

بحر فارس، وبحر الروم.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال:

ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) قال:

بحر فارس وبحر الروم.وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُني به بحر السماء، وبحر الأرض،

وذلك أن الله قال يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قطَرْ ماء السماء، فمعلوم أن ذلك بحر الأرض وبحر السماء.