فهبط عليه جبريل ، عليه السلام ، وتدلى إليه ،
فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها ، له ستمائة جناح ، ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ،
يعني ليلة الإسراء ، وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة بعد ما جاءه جبريل ، عليه السلام ،
أول مرة ، فأوحى الله إليه صدر سورة " اقرأ " ، ثم فتر الوحي فترة ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها مرارا ليتردى من رءوس الجبال ،
فكلما هم بذلك ناداه جبريل من الهواء : " يا محمد ، أنت رسول الله حقا ،
وأنا جبريل " . فيسكن لذلك جأشه ، وتقر عينه ،
وكلما طال عليه الأمر عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأبطح في صورته التي خلقه الله عليها ، له ستمائة جناح قد سد عظم خلقه الأفق ، فاقترب منه وأوحى إليه عن الله عز وجل ما أمره به ،
فعرف عند ذلك عظمة الملك الذي جاءه بالرسالة ، وجلالة قدره ، وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه .
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حيث قال :حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا الحارث بن عبيد ،
عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل عليه السلام ، فوكز بين كتفي ، فقمت إلى شجرة فيها كوكري الطير ،
فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر . فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين وأنا أقلب طرفي ، ولو شئت أن أمس السماء لمسست ،
فالتفت إلي جبريل كأنه حلس لاط ، فعرفت فضل علمه بالله علي . وفتح لي باب من أبواب السماء ورأيت النور الأعظم ،
وإذا دون الحجاب رفرفة الدر والياقوت . وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحي " .ثم قال البزار : لا يرويه إلا الحارث بن عبيد ،
وكان رجلا مشهورا من أهل البصرة .قلت : الحارث بن عبيد هذا هو أبو قدامة الإيادي ، أخرج له مسلم في صحيحه إلا أن ابن معين ضعفه ،
وقال : ليس هو بشيء . وقال الإمام أحمد :
مضطرب الحديث . وقال أبو حاتم الرازي : كتب حديثه ولا يحتج به .
وقال ابن حبان : كثر وهمه فلا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد . فهذا الحديث من غرائب رواياته ،
فإن فيه نكارة وغرابة ألفاظ وسياقا عجيبا ، ولعله منام ، والله أعلم .وقال الإمام أحمد :
حدثنا حجاج ، حدثنا شريك ، عن عاصم ،
عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل في صورته وله ستمائة جناح ،
كل جناح منها قد سد الأفق ، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم . انفرد به أحمد .وقال أحمد :
حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن إدريس بن منبه ،
عن وهب بن منبه ، عن ابن عباس قال : سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل أن يراه في صورته ،
فقال : ادع ربك . فدعا ربه عز وجل ،
فطلع عليه سواد من قبل المشرق ، فجعل يرتفع وينتشر ، فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - صعق ،
فأتاه فنعشه ومسح البزاق عن شدقه .انفرد به أحمد . وقد رواه ابن عساكر في ترجمة " عتبة بن أبي لهب " ، من طريق محمد بن إسحاق ،
عن عثمان بن عروة بن الزبير ، عن أبيه ، عن هبار بن الأسود قال :
كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام ، فتجهزت معهما ، فقال ابنه عتبة :
والله لأنطلقن إلى محمد ولأوذينه في ربه سبحانه ، فانطلق حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ،
هو يكفر بالذي دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :
" اللهم ابعث إليه كلبا من كلابك " . ثم انصرف عنه فرجع إلى أبيه فقال : يا بني ،
ما قلت له ؟ فذكر له ما قال له ، قال : فما قال لك ؟ قال :
قال : " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " قال : يا بني والله ما آمن عليك دعاءه .
فسرنا حتى نزلنا الشراة ، وهي مأسدة ، ونزلنا إلى صومعة راهب ،
فقال الراهب : يا معشر العرب ، ما أنزلكم هذه البلاد فإنها تسرح الأسد فيها كما تسرح الغنم ؟ فقال لنا أبو لهب :
إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي ، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة - والله - ما آمنها عليه ، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة ،
وافرشوا لابني عليها ، ثم افرشوا حولها . ففعلنا ،
فجاء الأسد فشم وجوهنا ، فلما لم يجد ما يريد تقبض ، فوثب ،
فإذا هو فوق المتاع ، فشم وجهه ثم هزمه هزمة ففضخ رأسه . فقال أبو لهب :
قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد .