ذو مرة على قول الحسن تمام الكلام ، ومعناه ذو قوة والقوة من صفات الله تعالى ; وأصله من شدة فتل الحبل ، كأنه استمر به الفتل حتى بلغ إلى غاية يصعب معها الحل .ثم قال :
فاستوى يعني الله عز وجل ; أي : استوى على العرش . روي معناه عن الحسن .
وقال الربيع بن أنس والفراء : فاستوى وهو بالأفق الأعلى أي : استوى جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام .
وهذا على العطف على المضمر المرفوع ب " هو " . وأكثر العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أظهروا كناية المعطوف عليه ; فيقولون : استوى هو وفلان ; وقلما يقولون استوى وفلان ; وأنشد الفراء :ألم تر أن النبع يصلب عوده ولا يستوي والخروع المتقصفأي لا يستوي هو والخروع ; ونظير هذا :
أإذا كنا ترابا وآباؤنا والمعنى أإذا كنا ترابا نحن وآباؤنا . ومعنى الآية : استوى جبريل هو ومحمد عليهما السلام ليلة الإسراء بالأفق الأعلى .
وأجاز العطف على الضمير لئلا يتكرر . وأنكر ذلك الزجاج إلا في ضرورة الشعر . وقيل :
المعنى فاستوى جبريل بالأفق الأعلى ، وهو أجود . وإذا كان المستوي جبريل فمعنى ذو مرة في وصفه :
ذو منطق حسن ; قاله ابن عباس . وقال قتادة : ذو خلق طويل حسن .
وقيل : معناه ذو صحة جسم وسلامة من الآفات ; ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم . لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي .
وقال امرؤ القيس :كنت فيهم أبدا ذا حيلة محكم المرة مأمون العقدوقد قيل : ذو مرة ذو قوة . قال الكلبي :
وكان من شدة جبريل عليه السلام أنه اقتلع مدائن قوم لوط من الأرض السفلى ، فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء ، حتى سمع أهل السماء نبح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها .
وكان من شدته أيضا أنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب من الأرض المقدسة فنفحه بجناحه نفحة ألقاه بأقصى جبل في الهند . وكان من شدته : صيحته بثمود في عددهم وكثرتهم ،
فأصبحوا جاثمين خامدين . وكان من شدته هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من الطرف . وقال قطرب :
تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل : ذو مرة . قال الشاعر :قد كنت قبل لقاكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانهوكان من جزالة رأيه وحصافة عقله أن الله ائتمنه على وحيه إلى جميع رسله .
قال الجوهري : والمرة إحدى الطبائع الأربع ، والمرة :
القوة وشدة العقل أيضا . ورجل مرير أي قوي ذو مرة . قال :ترى الرجل النحيف فتزدريه وحشو ثيابه أسد مريروقال لقيط :حتى استمرت على شزر مريرته مر العزيمة لا رتا ولا ضرعاوقال مجاهد وقتادة :
ذو مرة ذو قوة ; ومنه قول خفاف بن ندبة :إني امرؤ ذو مرة فاستبقني فيما ينوب من الخطوب صليبفالقوة تكون من صفة الله عز وجل ، ومن صفة المخلوق . فاستوى يعني جبريل على ما بينا ; أي :
ارتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ قاله سعيد بن المسيب وابن جبير . وقيل :
فاستوى أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها ; لأنه كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي جبله الله عليها فأراه نفسه مرتين : مرة في الأرض ومرة في السماء ; فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى ،وكان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء ،
فطلع له جبريل من المشرق فسد الأرض إلى المغرب ، فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه . فنزل إليه في صورة الآدميين وضمه إلى صدره ،
وجعل يمسح الغبار عن وجهه ; فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا جبريل ما ظننت أن الله خلق أحدا على مثل هذه الصورة . فقال :
يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي وإن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب . فقال : إن هذا لعظيم فقال :
وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيرا ، ولقد خلق الله إسرافيل له ستمائة جناح ، كل جناح منها قدر جميع أجنحتي ،
وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يكون بقدر الوصع . يعني العصفور الصغير ; دليله قوله تعالى : ولقد رآه بالأفق المبين وأما في السماء فعند سدرة المنتهى ،
ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمدا صلى الله عليه وسلم . وقول ثالث أن معنى " فاستوى " أي : استوى القرآن في صدره .
وفيه على هذا وجهان ؛ أحدهما : في صدر جبريل حين نزل به عليه .
الثاني : في صدر محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه . وقول رابع أن معنى " فاستوى " فاعتدل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم .
وفيه على هذا وجهان ؛ أحدهما : فاعتدل في قوته ،
الثاني : في رسالته ؛ ذكرهما الماوردي .قلت :
وعلى الأول يكون تمام الكلام ذو مرة ، وعلى الثاني شديد القوى . وقول خامس أن معناه فارتفع .
وفيه على هذا وجهان ؛ أحدهما : أنه جبريل عليه السلام ارتفع إلى مكانه على ما ذكرنا آنفا ،
الثاني : أنه النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع بالمعراج . وقول سادس فاستوى يعني الله عز وجل ،
أي : استوى على العرش على قول الحسن . وقد مضى القول فيه في " الأعراف " .