وقوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم ) يقول : الذين يبتعدون عن كبائر [ ص: 532 ] الإثم التي نهى الله عنها وحرمها عليهم فلا يقربونها ،
وذلك الشرك بالله ، وما قد بيناه في قوله ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) .وقوله ( والفواحش ) وهي الزنا وما أشبهه ، مما أوجب الله فيه حدا .وقوله ( إلا اللمم ) اختلف أهل التأويل في معنى" إلا " في هذا الموضع ،
فقال بعضهم : هي بمعنى الاستثناء المنقطع ، وقالوا :
معنى الكلام : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، إلا اللمم الذي ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام ،
فإن الله قد عفا لهم عنه ، فلا يؤاخذهم به .ذكر من قال ذلك :حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال :
ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) يقول :
إلا ما قد سلف .حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال :
المشركون إنما كانوا بالأمس يعملون معناه ، فأنزل الله عز وجل ( إلا اللمم ) ما كان منهم في الجاهلية . قال :
واللمم : الذي ألموا به من تلك الكبائر والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام ، وغفرها لهم حين أسلموا .حدثني يعقوب قال :
ثنا ابن علية ، عن ابن عياش ، عن ابن عون ،
عن محمد قال : سأل رجل زيد بن ثابت ، عن هذه الآية ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) فقال :
حرم الله عليك الفواحش ما ظهر منها وما بطن .حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني عبد الله بن عياش قال :
قال زيد بن أسلم في قول الله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : كبائر الشرك والفواحش : الزنى ،
تركوا ذلك [ ص: 533 ] حين دخلوا في الإسلام ، فغفر الله لهم ما كانوا ألموا به وأصابوا من ذلك قبل الإسلام .وكان بعض أهل العلم بكلام العرب ممن يوجه تأويل " إلا " في هذا الموضع إلى هذا الوجه الذي ذكرته عن ابن عباس يقول في تأويل ذلك :
لم يؤذن لهم في اللمم ، وليس هو من الفواحش ، ولا من كبائر الإثم ،
وقد يستثنى الشيء من الشيء ، وليس منه على ضمير قد كف عنه فمجازه ، إلا أن يلم بشيء ليس من الفواحش ولا من الكبائر ،
قال : الشاعر :وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيسواليعافير : الظباء ،
والعيس : الإبل وليسا من الناس ، فكأنه قال :
ليس به أنيس ، غير أن به ظباء وإبلا . وقال بعضهم :
اليعفور من الظباء الأحمر ، والأعيس : الأبيض .وقال بنحو هذا القول جماعة من أهل التأويل .
[ ص: 534 ]ذكر من قال ذلك :حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : ثنا محمد بن ثور ،
عن معمر ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ،
أن ابن مسعود قال : زنى العينين : النظر ،
وزنى الشفتين : التقبيل ، وزنى اليدين :
البطش ، وزنى الرجلين : المشي ،
ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ، فإن تقدم بفرجه كان زانيا ، وإلا فهو اللمم .حدثنا ابن عبد الأعلى قال :
ثنا ابن ثور ، عن معمر قال : وأخبرنا ابن طاوس ،
عن أبيه ، عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - :
" إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدركه ذلك لا محالة ، فزنى العينين النظر ، وزنى اللسان المنطق ،
والنفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " .حدثني أبو السائب قال : ثنا أبو معاوية ،
عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق في قوله ( إلا اللمم ) قال :
إن تقدم كان زنى ، وإن تأخر كان لمما .حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية قال :
ثنا منصور بن عبد الرحمن ، قال : سألت الشعبي ،
عن قول الله ( يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : هو ما دون الزنى ، ثم ذكر لنا عن ابن مسعود قال :
" زنى العينين : ما نظرت إليه ، وزنى اليد :
ما لمست ، وزنى الرجل : ما مشت والتحقيق بالفرج .حدثني محمد بن معمر قال :
ثنا يعقوب قال : ثنا وهيب قال : ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم بن عمرو القاري قال :
ثني عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لبابة الطائفي قال : سألت أبا هريرة عن قول الله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : القبلة ،
والغمزة ، والنظرة والمباشرة ، إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل ،
وهو الزنى .وقال آخرون : بل ذلك استثناء صحيح ، ومعنى الكلام :
الذين يجتنبون [ ص: 535 ] كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إلا أن يلم بها ثم يتوب .ذكر من قال ذلك :حدثني سليمان بن عبد الجبار قال : ثنا أبو عاصم قال :
أخبرنا زكريا بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ،
عن ابن عباس ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب ; قال : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألماحدثني ابن المثنى قال :
ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد ،
أنه قال في هذه الآية ( إلا اللمم ) قال : الذي يلم بالذنب ثم يدعه ، وقال الشاعر :إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألماحدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال :
ثنا يونس ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ،
أراه رفعه : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : اللمة من الزنى ،
ثم يتوب ولا يعود ، واللمة من السرقة ، ثم يتوب ولا يعود ; واللمة من شرب الخمر ،
ثم يتوب ولا يعود ، قال : فتلك الإلمام .حدثنا ابن بشار قال :
ثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ،
[ ص: 536 ] في قول الله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : اللمة من الزنى أو السرقة ،
أو شرب الخمر ، ثم لا يعود .حدثني يعقوب قال : ثنا ابن أبي عدي عن عوف ،
عن الحسن في قول الله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : اللمة من الزنى ، أو السرقة ،
أو شرب الخمر ثم لا يعود .حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ،
عن الحسن في قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : قد كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون : هذا الرجل يصيب اللمة من الزنا ،
واللمة من شرب الخمر ، فيخفيها فيتوب منها .حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ،
عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ،
عن ابن عباس ( إلا اللمم ) يلم بها فى الحين ، قلت الزنى ، قال :
الزنى ثم يتوب .حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور قال : قال معمر :
كان الحسن يقول في اللمم : تكون اللمة من الرجل : الفاحشة ثم يتوب .حدثنا ابن حميد قال :
ثنا مهران ، عن سفيان ، عن إسماعيل ،
عن أبي صالح قال : الزنى ثم يتوب .قال : ثنا مهران ،
عن أبي جعفر ، عن قتادة ، عن الحسن ( إلا اللمم ) قال :
أن يقع الوقعة ثم ينتهي .حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ،
عن عطاء ، عن ابن عباس قال : اللمم :
الذي تلم المرة .حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد قال :
أخبرني يحيى بن أيوب ، عن المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ،
أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : اللمم : ما دون الشرك .
[ ص: 537 ]حدثنا ابن بشار قال : ثنا أبو عامر قال :
ثنا مرة ، عن عبد الله بن القاسم في قوله ( إلا اللمم ) قال : اللمة يلم بها من الذنوب .حدثنا ابن حميد قال :
ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله ( إلا اللمم ) قال :
الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه . قال : وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون :إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألماوقال آخرون ممن وجه معنى" إلا " إلى الاستثناء المنقطع :
اللمم : هو دون حد الدنيا وحد الآخرة ، قد تجاوز الله عنه .ذكر من قال ذلك :حدثنا ابن حميد قال :
ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جابر ،
عن عطاء ، عن ابن الزبير ( إلا اللمم ) قال : ما بين الحدين ،
حد الدنيا ، وعذاب الآخرة .حدثنا ابن المثنى قال : ثنا محمد بن جعفر ،
عن شعبة ، عن الحكم ، عن ابن عباس أنه قال :
اللمم : ما دون الحدين : حد الدنيا والآخرة .حدثنا ابن المثنى قال :
ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم وقتادة ،
عن ابن عباس بمثله ، إلا أنه قال : حد الدنيا ،
وحد الآخرة .حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية قال : أخبرنا شعبة ،
عن الحكم بن عتيبة قال : قال ابن عباس : اللمم ما دون الحدين ،
حد الدنيا وحد الآخرة .حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال :
ثني عمي ، قال : ثني أبي ،
عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : كل شيء بين الحدين ،
حد الدنيا وحد الآخرة تكفره الصلوات ، وهو اللمم ، وهو دون كل موجب ; فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا; وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار ،
وأخر عقوبته إلى الآخرة . [ ص: 538 ]حدثنا ابن حميد قال :
ثنا يحيى قال : ثنا الحسين ، عن يزيد ،
عن عكرمة في قوله : ( إلا اللمم ) يقول : ما بين الحدين ،
كل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولا عذاب في الآخرة ، فهو اللمم .حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) واللمم : ما كان بين الحدين لم يبلغ حد الدنيا ولا حد الآخرة ،
موجبة قد أوجب الله لأهلها النار ، أو فاحشة يقام عليه الحد في الدنيا .وحدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ،
عن أبي جعفر ، عن قتادة قال : قال بعضهم :
اللمم : ما بين الحدين : حد الدنيا ،
وحد الآخرة .حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا : ثنا إسماعيل بن إبراهيم قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة ،
عن قتادة عن ابن عباس قال : اللمم : ما بين الحدين :
حد الدنيا ، وحد الآخرة .حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ،
عن سفيان قال : قال الضحاك ( إلا اللمم ) قال : كل شيء بين حد الدنيا والآخرة فهو اللمم يغفره الله .وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال " إلا " بمعنى الاستثناء المنقطع ،
ووجه معنى الكلام إلى ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) بما دون كبائر الإثم ، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا ، والعذاب في الآخرة ،
فإن ذلك معفو لهم عنه ، وذلك عندي نظير قوله جل ثناؤه : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) فوعد جل ثناؤه باجتناب الكبائر ،
العفو عما دونها من السيئات ، وهو اللمم الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " العينان تزنيان ،
واليدان تزنيان ، والرجلان تزنيان ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " ،
وذلك أنه لا حد فيما دون ولوج الفرج في الفرج ، وذلك هو العفو من الله في الدنيا عن عقوبة العبد عليه ، والله جل ثناؤه أكرم من أن يعود فيما قد عفا عنه ،
كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واللمم في كلام العرب : [ ص: 539 ] المقاربة للشيء ،
ذكر الفراء أنه سمع العرب تقول : ضربه ما لمم القتل يريدون ضربا مقاربا للقتل . قال :
وسمعت من آخر : ألم يفعل في معنى : كاد يفعل .