وقوله : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) أي : اصبر على أذاهم ولا تبالهم ،
فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا ، والله يعصمك من الناس .وقوله : ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) قال الضحاك :
أي إلى الصلاة : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ،
وتعالى جدك ، ولا إله غيرك .وقد روي مثله عن الربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ،
وغيرهما .وروى مسلم في صحيحه ، عن عمر أنه كان يقول هذا في ابتداء الصلاة . ورواه أحمد وأهل السنن ،
عن أبي سعيد وغيره ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول ذلك .وقال أبو الجوزاء : ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) أي :
من نومك من فراشك . واختاره ابن جرير : ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد :حدثنا الوليد بن مسلم ،
حدثنا الأوزاعي ، حدثني عمير بن هانئ ، حدثني جنادة بن أبي أمية ،
حدثنا عبادة بن الصامت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من تعار من الليل فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،
له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير . سبحان الله ،
والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ،
ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : رب اغفر لي - أو قال :
ثم دعا - استجيب له ، فإن عزم فتوضأ ، ثم صلى تقبلت صلاته " .وأخرجه البخاري في صحيحه ،
وأهل السنن من حديث الوليد بن مسلم ، به .وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) قال : من كل مجلس .وقال الثوري ، عن أبي إسحاق ،
عن أبي الأحوص : ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) قال : إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال :
سبحانك اللهم وبحمدك .وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الدمشقي ،
حدثنا محمد بن شعيب ، أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي ، عن عطاء بن أبي رباح ; أنه حدثه عن قول الله :
( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) يقول : حين تقوم من كل مجلس ، إن كنت أحسنت ازددت خيرا ،
وإن كان غير ذلك كان هذا كفارة له .وقد قال عبد الرزاق في جامعه : أخبرنا معمر ، عن عبد الكريم الجزري ،
عن أبي عثمان الفقير ; أن جبريل علم النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من مجلسه أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ،
أستغفرك وأتوب إليك . قال معمر : وسمعت غيره يقول :
هذا القول كفارة المجالسوهذا مرسل ، وقد وردت أحاديث مسندة من طرق - يقوي بعضها بعضا - بذلك ، فمن ذلك حديث ابن جريج ،
عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ،
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهم وبحمدك ،
أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك " .رواه الترمذي - وهذا لفظه - والنسائي في اليوم والليلة ،
من حديث ابن جريج . وقال الترمذي : حسن صحيح .
وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال : إسناد على شرط مسلم ، إلا أن البخاري علله .قلت :
علله الإمام أحمد ، والبخاري ، ومسلم ،
وأبو حاتم ، وأبو زرعة ، والدارقطني ،
وغيرهم . ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج . على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ،
ورواه أبو داود - واللفظ له - والنسائي ، والحاكم في المستدرك ، من طريق الحجاج بن دينار ،
عن هاشم عن أبي العالية ، عن أبي برزة الأسلمي قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس :
" سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك " .
فقال رجل : يا رسول الله ، إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى ؟ ! قال :
" كفارة لما يكون في المجلس " .وقد روي مرسلا عن أبي العالية ، والله أعلم . وهكذا رواه النسائي والحاكم ،
من حديث الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن رافع بن خديج ،
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله سواء ، وروي مرسلا أيضا ، والله أعلم .
وكذا رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو ; أنه قال : " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات ، إلا كفر بهن عنه ،
ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم له بهن كما يختم بالخاتم على الصحيفة : سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ،
أستغفرك وأتوب إليك " وأخرجه الحاكم من حديث أم المؤمنين عائشة ، وصححه ، ومن رواية جبير بن مطعم ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ،
كلهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد أفردت لذلك جزءا على حدة بذكر طرقه وألفاظه وعلله ، وما يتعلق به ،
ولله الحمد والمنة