فأعرضْ -أيها الرسول- عن المشركين حتى يأتيك فيهم أمر الله، فما أنت بملوم من أحد، فقد بلَّغت ما أُرسلت به.
تفسير سورة الذاريات - الآية 54
فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَاۤ أَنتَ بِمَلُومࣲ
التفاسير العلمية(8)
«فتولَّ» أعرض «عنهم فما أنت بملوم» لأنك بلغتهم الرسالة.
يقول تعالى آمرًا رسوله بالإعراض عن المعرضين المكذبين: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: لا تبال بهم ولا تؤاخذهم،
وأقبل على شأنك.فليس عليك لوم في ذنبهم، وإنما عليك البلاغ، وقد أديت ما حملت،
وبلغت ما أرسلت به.
قال الله تعالى : ( فتول عنهم ) أي : فأعرض عنهم يا محمد ،
( فما أنت بملوم ) يعني : فما نلومك على ذلك .
ثم تسلية ثالثة نراها في قوله- تعالى-: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أى: فأعرض عنهم وعن جدالهم،
وسر في طريقك الذي رسمه الحكيم الخبير لك.فَما أَنْتَ أيها الرسول الكريم- بِمَلُومٍ على الإعراض عنهم، وما أنت بمعاتب منا على ترك مجادلتهم.
( فتول عنهم ) فأعرض عنهم ( فما أنت بملوم ) لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وما قصرت فيما أمرت به .قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واشتد ذلك على أصحابه ، وظنوا أن الوحي قد انقطع ،
وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتولى عنهم ، فأنزل الله تعالى :
قوله تعالى : فتول عنهم أي أعرض عنهم واصفح عنهم فما أنت بملوم عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة ، ثم نسخ هذا بقوله تعالى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقيل :
نسخ بآية السيف . والأول قول الضحاك ; لأنه قد أمر بالإقبال عليهم بالموعظة . وقال مجاهد :
فتول عنهم فأعرض عنهم فما أنت بملوم أي ليس يلومك ربك على تقصير كان منك
القول في تأويل قوله تعالى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : فتولّ يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله من قريش, يقول:
فأعرض عنهم حتى يأتيك فيهم أمر الله, يقال: ولى فلان عن فلان: إذا أعرض عنه وتركه, كما قال حصين بن ضمضم:أمَّا بَنُو عبس فإنَّ هَجِينَهُمْوَلَّى فَوَارِسهُ وَأفْلَتَ أَعْوَرا (1)والأعور في هذا الوضع:
الذي عور فلم تقض حاجته, ولم يصب ما طلب.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) قال: فأعرض عنهم.وقوله ( فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) يقول جلّ ثناؤه:
فما أنت يا محمد بملوم, لا يلومك ربك على تفريط كان منك في الإنذار, فقد أنذرت, وبلغت ما أرسلت به.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال:
ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) قال: محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.حدثني يونس, قال:
أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد. في قوله ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) قال:
قد بلغت ما أرسلناك به, فلست بملوم, قال: وكيف يلومه, وقد أدّى ما أمر به.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال:
ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) ذُكر لنا أنها لما نزلت هذه الآية, اشتدّ على أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , ورأوا أن الوحي قد انقطع, وأن العذاب قد حضر, فأنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) .حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: أخبرنا ابن علية, قال:
أخبرنا أيوب, عن مجاهد, قال: خرج عليّ معتجرًا ببرد, مشتملا بخميصة, فقال لما نزلت ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) أحزننا ذلك وقلنا: أمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يتولى عنا حتى نزل ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) .