وقوله ( أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) فيه متروك استغني بدلالة الظاهر عليه منه, وهو: يقال ألقيا في جهنم, أو قال تعالى: ألقيا, فأخرج الأمر للقرين, وهو بلفظ واحد مخرج خطاب الاثنين.
وفي ذلك وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون القرين بمعنى الاثنين, كالرسول, والاسم الذي يكون بلفظ الواحد في الواحد, والتثنية والجمع, فردّ قوله ( أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ) إلى المعنى.
والثاني: أن يكون كما كان بعض أهل العربية يقول, وهو أن العرب تأمر الواحد والجماعة بما تأمر به الاثنين, فتقول للرجل ويلك أرجلاها وازجراها, وذكر أنه سَمِعها من العرب; قال: وأنشدني بعضهم:فَقُلْتُ لصَاحِبي لا تَحْبسانابنزعِ أُصُولِهِ واجْتَزَّ شيحا (6)قال:
وأنشدني أبو ثروان:فإنْ تَزْجُرانِي يا بْنَ عَفَّان أنزجِرْوَإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضا مُمنَعَّا (7)قال: فيروى أن ذلك منهم أن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان, وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة, فجرى كلام الواحد على صاحبيه, وقال: ألا ترى الشعراء أكثر قيلا يا صاحبيّ يا خليليّ, وقال امرؤ القَيس:خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي على أُمّ جُنْدَبِنُقَضِّ لُباناتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ (8)ثم قال:أَلمْ تَرَ أنّي كُلَّما جِئْتُ طارِفاوَجَدْتُ بِها طِيْبات وَإنْ لَّمْ تَطَيَّبِ (9)فرجع إلى الواحد, وأوّل الكلام اثنان; قال:
وأنشدني بعضهم:خَلِيلَي قُوما في عَطالَةَ فانْظُرَاأنارٌ تَرَى مِنْ ذِي أبانَيْنِ أَمْ بَرْقا (10)وبعضهم يروي: أنارا نرى.( كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) يعني: كل جاحد وحدانية الله عنيد, وهو العاند عن الحقّ وسبيل الهدى.-------------------الهوامش :(6) البيت لمضرس بن ربعي الفقعسي الأسدي ،
وليس ليزيد بن الطثرية كما نسبه الكسائي وثعلب إليه ، وأخذه عنه الجوهري في الصحاح . قاله ياقوت فيما كتبه على الصحاح .
وفي روايته : " لحاطبي " في موضع لصاحبي ، وقوله :
" لا تحبسانا " ، فإن العرب ربما خاطبت الواحد بلفظ الاثنين ( انظر شرح شواهد الشافية لعبد القادر البغدادي طبع القاهرة ) . وقال الفراء في معاني القرآن ( الورقة 309 عند قوله تعالى " ألقيا في جهنم " .
العرب تأمر الواحد والقوم بما يؤمر به الاثنان ، فيقولان للرجل قوما عنا . وسمعت بعضهم يقول :
ويحك ارحلاها وازجراها . وأنشدني بعضهم " فقلت لصاحبي ... البيت " .
قال : ويروى : واجدز يريد :
واجتز . أ ه .(7) وهذا البيت أيضًا من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 309 ) على ما تقدم في نظيره من أن العرب قد تخاطب القوم والواحد بما تخاطب به الاثنين ، قال بعد أن أنشد البيت :
ونرى أن ذلك منهم أن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان ، وكذلك الرفقة أدنى ما يكونون ثلاثة ، فجرى كلام الواحد على صاحبيه .
أ ه .وقال في ( اللسان : جزر ) إن العرب ربما خاطبت الواحد بلفظ الاثنين ، كما قال سويد بن كراع العكلي :تقول ابنة العوفي ليلي ألا ترىإلى ابن كراع لا يزال مفزعامخافة هذين الأميرين سهدترقادي وغشتني بياضا مقزعافإن أنتما أحكمتماني فازجراأراهط تؤذي من الناس رضعاوإن تزجراني ...
البيت .قال : وهذا يدل على أنه خاطب اثنين : سعيد بن عثمان ،
ومن ينوب عنه ، أو يحضر معه . وقوله فإن أنتما أحكمتماني :
دليل أيضا على أنه يخاطب اثنين . وقوله : أحكمتماني :
أي منعتماني من هجائه . واصله من أحكمت الدابة : إذا جعلت فيها حكمة اللجام وقوله :
" وإن تدعاني " أي إن تركتماني حميت عرضي ممن يؤذيني . وإن زجرتماني انزجرت وصبرت . والرضع :
جمع راضع ، وهو اللئيم . أ ه .
وعلى هذا لا يكون في البيت شاهد للفراء ، ولا للمؤلف .(8) هذا البيت مطلع قصيدة لامرئ القيس قالها في زوجته أم جندب من طيئ ( مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي ص 43 ) والشاهد فيه أن يخاطب خليله ، بلفظ التثنية ،
لأنهم كانوا ثلاثة في سفر . وبعد هذا المطلع قوله :فإنكما إن تنظراني ساعةمن الدهر تنفعني لدى أم جندب(9) وهذا البيت هو ثالث البيتين في القصيدة ، وهو لامرئ القيس أيضًا .
قال الفراء بعد كلامه الذي سبق في الشاهد الذي قبله : ثم قال : ألم تر ،
فرجع إلى الواحد ، وأول كلامه اثنان . قلت :
وكلام الفراء بناء على روايته في البيت . وهناك رواية أخرى في قوله " ألم تر " وهي : " ألم تريا " بصيغة الخطاب للمثنى ،
وهما رفيقاه ، و شاهد عليها في البيت . وهي رواية الأعلم الشنتمري في شرحه للأشعار الستة ،
وأثبتها شارح مختار الشعر الجاهلي .(10) البيت لسويد بن كراع العكلي عن ( التاج : عطل ) وعطالة : جبل لبني تميم وذو وأبانين :
أي المكان الذي فيه الجبلان : أبان الأبيض ، وهو لبني جريد من بني فزارة خاصة،
والأسود لبني والبة من بني الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد ، ويشركهم فيه فزارة . وبين الجبلين نحو فرسخ ،
ووادي الرمة يقطع بينهما . قاله البكري في ( معجم ما استعجم ص 95 ) . وقال الفراء بعد أن روى البيت:
بعضهم يرويه : " أنارا ترى " . أ ه .
وعلى هذه الرواية الأخيرة لا يكون في البيت شاهد على ما أراده المؤلف من أن العرب تخاطب الواحد بما تخاطب به المثنى . وقوله " من ذى أبانين " هذه رواية الطبري في الأصل ، وهي تختلف عن رواية الفراء في معاني القرآن ( 309 ) وهي :
" من نحو بابين " . قال في التاج : وبابين - مثنى - موضع بالبحرين