يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن ، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله ; لأن بعض ذلك يكون إثما محضا ، فليجتنب كثير منه احتياطا ،
وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا ، وأنت تجد لها في الخير محملا .وقال أبو عبد الله بن ماجه :
حدثنا أبو القاسم بن أبي ضمرة نصر بن محمد بن سليمان الحمصي ، حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النضري ،
حدثنا عبد الله بن عمر قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالكعبة ويقول : " ما أطيبك وأطيب ريحك ،
ما أعظمك وأعظم حرمتك . والذي نفس محمد بيده ، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ،
ماله ودمه ، وأن يظن به إلا خير . تفرد به ابن ماجه من هذا الوجه .وقال مالك ،
عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ،
ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ،
ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا " .رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ، ومسلم عن يحيى بن يحيى ،
وأبو داود عن العتبي [ ثلاثتهم ] ، عن مالك ، به .وقال سفيان بن عيينة ،
عن الزهري ، عن أنس [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" لا تقاطعوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ،
ولا تحاسدوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام " .رواه مسلم والترمذي - وصححه - من حديث سفيان بن عيينة ،
به .وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي العدوي ، حدثنا بكر بن عبد الوهاب المدني ،
حدثنا إسماعيل بن قيس الأنصاري ، حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي الرجال ، عن أبيه ،
عن جده حارثة بن النعمان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاث زمات لأمتي :
الطيرة ، والحسد وسوء الظن " . فقال رجل :
ما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه ؟ قال : " إذا حسدت فاستغفر الله ، وإذا ظننت فلا تحقق ،
وإذا تطيرت فأمض " . وقال أبو داود : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ،
حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن زيد قال :
أتي ابن مسعود ، رضي الله عنه برجل ، فقيل له :
هذا فلان تقطر لحيته خمرا . فقال عبد الله : إنا قد نهينا عن التجسس ،
ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به .سماه ابن أبي حاتم في روايته الوليد بن عقبة بن أبي معيط .وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم ، حدثنا ليث ،
عن إبراهيم بن نشيط الخولاني ، عن كعب بن علقمة ، عن أبي الهيثم ،
عن دخين كاتب عقبة قال : قلت لعقبة : إن لنا جيرانا يشربون الخمر ،
وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم . قال : لا تفعل ،
ولكن عظهم وتهددهم . قال : ففعل فلم ينتهوا .
قال : فجاءه دخين فقال : إني قد نهيتهم فلم ينتهوا ،
وإني داع لهم الشرط فيأخذونهم . قال : لا تفعل ،
ولكن عظهم وتهددهم . قال : ففعل فلم ينتهوا .
قال : فجاءه دخين فقال : إني قد نهيتهم فلم ينتهوا ،
وإني داع لهم الشرط فتأخذهم . فقال له عقبة : ويحك لا تفعل ،
فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها " .ورواه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد ، به نحوه .وقال سفيان الثوري ،
عن ثور ، عن راشد بن سعد ، عن معاوية قال :
سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم " أو : " كدت أن تفسدهم " .
فقال أبو الدرداء : كلمة سمعها معاوية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفعه الله بها . رواه أبو داود منفردا به من حديث الثوري ،
به .وقال أبو داود أيضا : حدثنا سعيد بن عمرو الحضرمي ، حدثنا إسماعيل بن عياش ،
حدثنا ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن جبير بن نفير ،
وكثير بن مرة ، وعمرو بن الأسود ، والمقدام بن معدي كرب ،
وأبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس ،
أفسدهم " .[ وقوله ] : ( ولا تجسسوا ) أي : على بعضكم بعضا .
والتجسس غالبا يطلق في الشر ، ومنه الجاسوس . وأما التحسس فيكون غالبا في الخير ،
كما قال تعالى إخبارا عن يعقوب [ عليه السلام ] أنه قال : ( يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله ) [ يوسف : 87 ] ،
وقد يستعمل كل منهما في الشر ، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تجسسوا ،
ولا تحسسوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ،
وكونوا عباد الله إخوانا " .وقال الأوزاعي : التجسس : البحث عن الشيء .
والتحسس : الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون ، أو يتسمع على أبوابهم .
والتدابر : الصرم . رواه ابن أبي حاتم .وقوله :
( ولا يغتب بعضكم بعضا ) فيه نهي عن الغيبة ، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود : حدثنا القعنبي ،
حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن العلاء ، عن أبيه ،
عن أبي هريرة قال : قيل : يا رسول الله ،
ما الغيبة ؟ قال : " ذكرك أخاك بما يكره " . قيل :
أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " .ورواه الترمذي عن قتيبة ،
عن الدراوردي ، به . وقال :
حسن صحيح . ورواه ابن جرير عن بندار ، عن غندر ،
عن شعبة ، عن العلاء . وهكذا قال ابن عمر ،
ومسروق ، وقتادة ، وأبو إسحاق ،
ومعاوية بن قرة .وقال أبو داود : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ،
عن سفيان ، حدثني علي بن الأقمر ، عن أبي حذيفة ،
عن عائشة قالت : قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : حسبك من صفية كذا وكذا ! - قال غير مسدد :
تعني قصيرة - فقال : " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " . قالت :
وحكيت له إنسانا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ما أحب أني حكيت إنسانا ،
وإن لي كذا وكذا " .ورواه الترمذي من حديث يحيى القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ووكيع ،
ثلاثتهم عن سفيان الثوري ، عن علي بن الأقمر ، عن أبي حذيفة سلمة بن صهيبة الأرحبي ،
عن عائشة ، به . وقال :
حسن صحيح .وقال ابن جرير : حدثني ابن أبي الشوارب : حدثنا عبد الواحد بن زياد ،
حدثنا سليمان الشيباني ، حدثنا حسان بن المخارق ; أن امرأة دخلت على عائشة ، فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أي :
إنها قصيرة - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اغتبتيها " .والغيبة محرمة بالإجماع ، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته ،
كما في الجرح والتعديل والنصيحة ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر : " ائذنوا له ،
بئس أخو العشيرة " ، وكقوله لفاطمة بنت قيس - وقد خطبها معاوية وأبو الجهم - : " أما معاوية فصعلوك ،
وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه " . وكذا ما جرى مجرى ذلك . ثم بقيتها على التحريم الشديد ،
وقد ورد فيها الزجر الأكيد ; ولهذا شبهها تعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت ، كما قال تعالى : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) ؟ أي :
كما تكرهون هذا طبعا ، فاكرهوا ذاك شرعا ; فإن عقوبته أشد من هذا وهذا من التنفير عنها والتحذير منها ، كما قال عليه السلام ،
في العائد في هبته : " كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه " ، وقد قال :
" ليس لنا مثل السوء " . وثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه أنه عليه السلام ، قال في خطبة [ حجة ] الوداع :
" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا " .وقال أبو داود :
حدثنا واصل بن عبد الأعلى ، حدثنا أسباط بن محمد ، عن هشام بن سعد ،
عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كل المسلم على المسلم حرام : ماله وعرضه ودمه ،
حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم " .ورواه الترمذي عن عبيد بن أسباط بن محمد ، عن أبيه ، به .
وقال : حسن غريب .وحدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا الأسود بن عامر ،
حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن سعيد بن عبد الله بن جريج ،
عن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه ،
لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته " .تفرد به أبو داود .
وقد روي من حديث البراء بن عازب ، فقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا إبراهيم بن دينار ،
حدثنا مصعب بن سلام ، عن حمزة بن حبيب الزيات ، عن أبي إسحاق السبيعي ،
عن البراء بن عازب قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أسمع العواتق في بيوتها - أو قال : في خدورها - فقال :
" يا معشر من آمن بلسانه ، لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ،
فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته ، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته " .طريق أخرى عن ابن عمر : قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي :
أخبرنا عبد الله بن ناجية ، حدثنا يحيى بن أكثم ، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني ،
عن الحسين بن واقد ، عن أوفى بن دلهم ، عن نافع ،
عن ابن عمر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ،
ولا تتبعوا عوراتهم ; فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته ، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله " . قال :
ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال : ما أعظمك وأعظم حرمتك ، وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك .قال أبو داود :
وحدثنا حيوة بن شريح ، حدثنا بقية ، عن ابن ثوبان ،
عن أبيه ، عن مكحول ، عن وقاص بن ربيعة ،
عن المستورد أنه حدثه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في جهنم ، ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في جهنم .
ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة " . تفرد به أبو داود .وحدثنا ابن مصفى ، حدثنا بقية وأبو المغيرة قالا حدثنا صفوان ،
حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، قلت :
من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم " .تفرد به أبو داود ،
وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي ، به .وقال ابن أبي حاتم :
حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن عبدة ، حدثنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ،
حدثنا أبو هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري [ رضي الله عنه ] قال : قلنا :
يا رسول الله ، حدثنا ما رأيت ليلة أسري بك ؟ . .
. قال : " ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير ،
رجال ونساء موكل بهم رجال يعمدون إلى عرض جنب أحدهم فيحذون منه الحذوة من مثل النعل ثم يضعونه في في أحدهم ، فيقال له : " كل كما أكلت " ،
وهو يجد من أكله الموت - يا محمد - لو يجد الموت وهو يكره عليه فقلت : يا جبرائيل ، من هؤلاء ؟ قال :
هؤلاء الهمازون اللمازون أصحاب النميمة . فيقال : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) وهو يكره على أكل لحمه .هكذا أورد هذا الحديث ،
وقد سقناه بطوله في أول تفسير " سورة سبحان " ولله الحمد .وقال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا الربيع ، عن يزيد ،
عن أنس ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس أن يصوموا يوما ولا يفطرن أحد حتى آذن له . فصام الناس ، فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول :
ظللت منذ اليوم صائما ، فائذن لي فأفطر فيأذن له ، ويجيء الرجل فيقول ذلك ،
فيأذن له حتى جاء رجل فقال : يا رسول الله ، إن فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين ،
فائذن لهما فليفطرا فأعرض عنه ، ثم أعاد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" ما صامتا ، وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس ؟ اذهب ، فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا " .
ففعلتا ، فقاءت كل واحدة منهما علقة علقة فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" لو ماتتا وهما فيهما لأكلتهما النار " .إسناد ضعيف ، ومتن غريب . وقد رواه الحافظ البيهقي من حديث يزيد بن هارون :
حدثنا سليمان التيمي قال : سمعت رجلا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي عن عبيد - مولى رسول الله - أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن رجلا أتى رسول الله فقال : يا رسول الله ،
إن هاهنا امرأتين صامتا ، وإنهما كادتا تموتان من العطش - أراه قال : بالهاجرة - فأعرض عنه - أو :
سكت عنه - فقال : يا نبي الله ، إنهما - والله قد ماتتا أو كادتا تموتان .
فقال : ادعهما . فجاءتا ،
قال : فجئ بقدح - أو عس - فقال لإحداهما : " قيئي " فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح .
ثم قال للأخرى : قيئي فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما ودما عبيطا وغيره حتى ملأت القدح . فقال :
إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما ، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما ، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس .وهكذا قد رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي ،
كلاهما عن سليمان بن طرخان التيمي ، به مثله أو نحوه . ثم رواه أيضا من حديث مسدد ،
عن يحيى القطان ، عن عثمان بن غياث ، حدثني رجل أظنه في حلقة أبي عثمان ،
عن سعد - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم أمروا بصيام ، فجاء رجل في نصف النهار فقال : يا رسول الله ،
فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد . فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا ، ثم قال :
" ادعهما " . فجاء بعس - أو : قدح - فقال لإحداهما :
" قيئي " ، فقاءت لحما ودما عبيطا وقيحا ، وقال للأخرى مثل ذلك ،
فقال : " إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما ، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما ،
أتت إحداهما للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحا " .وقال البيهقي : كذا قال " عن سعد " ، والأول - وهو عبيد - أصح .وقال الحافظ أبو يعلى :
حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد ، حدثنا أبي أبو عاصم ، حدثنا ابن جريج ،
أخبرني أبو الزبير عن ابن عم لأبي هريرة أن ماعزا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إني قد زنيت فأعرض عنه - قالها أربعا - فلما كان في الخامسة قال :
" زنيت " ؟ قال : نعم . قال :
" وتدري ما الزنا ؟ " قال : نعم ، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا .
قال : " ما تريد إلى هذا القول ؟ " قال : أريد أن تطهرني .
قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والرشاء في البئر ؟ " .
قال : نعم ، يا رسول الله .
قال : فأمر برجمه فرجم ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين يقول أحدهما لصاحبه :
ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب . ثم سار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى مر بجيفة حمار فقال : أين فلان وفلان ؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار " قالا :
غفر الله لك يا رسول الله وهل يؤكل هذا ؟ قال : " فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه ، والذي نفسي بيده ،
إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها " ] إسناده صحيح ] .وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثني أبي ،
حدثنا واصل - مولى ابن عيينة - حدثني خالد بن عرفطة ، عن طلحة بن نافع ، عن جابر بن عبد الله قال :
كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فارتفعت ريح جيفة منتنة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتدرون ما هذه الريح ؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين " .طريق أخرى :
قال عبد بن حميد في مسنده : حدثنا إبراهيم بن الأشعث ، حدثنا الفضيل بن عياض ،
عن سليمان ، عن أبي سفيان - وهو طلحة بن نافع - عن جابر قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فهاجت ريح منتنة ،
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن نفرا من المنافقين اغتابوا ناسا من المسلمين ، فلذلك بعثت هذه الريح " وربما قال :
" فلذلك هاجت هذه الريح " .وقال السدي في قوله : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) : زعم أن سلمان الفارسي كان مع رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر يخدمهما ويخف لهما ،
وينال من طعامهما ، وأن سلمان لما سار الناس ذات يوم وبقي سلمان نائما ، لم يسر معهم ،
فجعل صاحباه يكلمانه فلم يجداه ، فضربا الخباء فقالا : ما يريد سلمان - أو :
هذا العبد - شيئا غير هذا : أن يجيء إلى طعام مقدور ، وخباء مضروب ! فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلب لهما إداما ،
فانطلق فأتى رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - ] ومعه قدح له ، فقال : يا رسول الله ،
بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك ؟ قال : " ما يصنع أصحابك بالأدم ؟ قد ائتدموا " . فرجع سلمان يخبرهما بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلقا حتى أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا :
لا والذي بعثك بالحق ، ما أصبنا طعاما منذ نزلنا . قال :
" إنكما قد ائتدمتما بسلمان بقولكما " .قال : ونزلت : ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) ،
إنه كان نائما .وروى الحافظ الضياء المقدسي في كتابه " المختارة " من طريق حبان بن هلال ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ،
عن أنس بن مالك قال : كانت العرب تخدم بعضها بعضا في الأسفار ، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما ،
فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاما ، فقالا : إن هذا لنئوم ،
فأيقظاه ، فقالا له : ائت رسول الله فقل له :
إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام ، ويستأدمانك .فقال : " إنهما قد ائتدما " فجاءا فقالا :
يا رسول الله ، بأي شيء ائتدمنا ؟ فقال : " بلحم أخيكما ،
والذي نفسي بيده ، إني لأرى لحمه بين ثناياكما " . فقالا :
استغفر لنا يا رسول الله فقال : " مراه فليستغفر لكما " .وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا الحكم بن موسى ،
حدثنا محمد بن مسلم ، عن محمد بن إسحاق ، عن عمه موسى بن يسار ،
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أكل من لحم أخيه في الدنيا ،
قرب له لحمه في الآخرة ، فيقال له : كله ميتا كما أكلته حيا .
قال : فيأكله ويكلح ويصيح " . غريب جدا .وقوله :
( واتقوا الله ) أي : فيما أمركم به ونهاكم عنه ، فراقبوه في ذلك واخشوا منه ،
( إن الله تواب رحيم ) أي : تواب على من تاب إليه ، رحيم بمن رجع إليه ،
واعتمد عليه .قال الجمهور من العلماء : طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك ، ويعزم على ألا يعود .
وهل يشترط الندم على ما فات ؟ فيه نزاع ، وأن يتحلل من الذي اغتابه . وقال آخرون :
لا يشترط أن يتحلله فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه ، فطريقه إذا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها ، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته ،
فتكون تلك بتلك ، كما قال الإمام أحمد :حدثنا أحمد بن الحجاج ، أخبرنا عبد الله ،
أخبرنا يحيى بن أيوب ، عن عبد الله بن سليمان ; أن إسماعيل بن يحيى المعافري أخبره أن سهل بن معاذ بن أنس الجهني أخبره ، عن أبيه ،
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من حمى مؤمنا من منافق يعيبه ، بعث الله إليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم .
ومن رمى مؤمنا بشيء يريد شينه ، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال " . وكذا رواه أبو داود من حديث عبد الله - وهو ابن المبارك - به بنحوه .وقال أبو داود أيضا :
حدثنا إسحاق بن الصباح ، حدثنا ابن أبي مريم ، أخبرنا الليث :
حدثني يحيى بن سليم ; أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول : سمعت جابر بن عبد الله ، وأبا طلحة بن سهل الأنصاري يقولان :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه ، إلا خذله الله في مواطن يحب فيها نصرته .
وما من امرئ ينصر امرأ مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه ، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في مواطن يحب فيها نصرته " . تفرد به أبو داود .