( وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ) وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة ( فعجل لكم هذه ) يعني خيبر ( وكف أيدي الناس عنكم ) وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من بني أسد وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة ، فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم ، وقيل :
كف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة بالصلح ( ولتكون ) كفهم وسلامتكم ( آية للمؤمنين ) على صدقك ويعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم ( ويهديكم صراطا مستقيما ) يثبتكم على الإسلام ويزيدكم بصيرة ويقينا بصلح الحديبية ، وفتح خيبر وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم ثم خرج في بقية المحرم سنة سبع إلى خيبر .أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ،
أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا قتيبة بن سعيد ،
حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :
كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغير بنا حتى يصبح وينظر ، فإن سمع أذانا كف عنهم ، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم قال :
فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - : قال : فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم ،
فلما رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : محمد - والله - محمد والخميس ، فلما رآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
" الله أكبر ، الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " .أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ،
أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ،
حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد ،
حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا إياس بن سلمة ، حدثني أبي قال :
. . .
خرجنا إلى خيبر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم :تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينافثبت الأقدام إن لاقينا [ وأنزلن سكينة علينا]فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من هذا ؟ " فقال :
أنا عامر ، قال : " غفر لك ربك " ،
قال : وما استغفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإنسان يخصه إلا استشهد ، قال :
فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له : يا نبي الله لولا متعتنا بعامر ، قال :
فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول :قد علمت [ خيبر ] أني مرحب شاكي السلاح بطل مجربإذا الحروب أقبلت تلهبقال : وبرز له عمي عامر ، فقال :قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامرقال :
فاختلفا ضربتين ، فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له ، فرجع سيفه [ على نفسه ] فقطع أكحله ،
وكانت فيها نفسه . قال سلمة : فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون :
بطل عمل عامر قتل نفسه ، قال : فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي ،
فقلت : يا رسول الله بطل عمل عامر قتل نفسه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" من قال ذلك " ؟ قلت : ناس من أصحابك ، قال :
" كذب من قال ذلك ، بل له أجره مرتين " ، ثم أرسلني إلى علي - رضي الله عنه - - وهو أرمد - فقال :
لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، قال : فأتيت عليا - رضي الله عنه - فجئت به أقوده وهو أرمد ،
حتى أتيت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبصق في عينيه فبرأ ، وأعطاه الراية ، وخرج مرحب فقال :قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجربإذا الحروب أقبلت تلهبفقال علي - رضي الله عنه - :أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات [ كريه المنظره ]أوفيهم بالصاع كيل السندرهقال :
فضرب رأس مرحب فقتله ، ثم كان الفتح على يديه .وروى حديث خيبر جماعة : سهل بن سعد ،
وأنس ، وأبو هريرة ، يزيدون وينقصون ،
وفيه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس ، فأخذ أبو بكر - رضي الله عنه - راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،
ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ، ثم رجع فأخذها عمر - رضي الله عنه - فقاتل قتالا شديدا ، هو أشد من القتال الأول ،
ثم رجع ، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال : " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه " ،
فدعا علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال : " امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك " ، فأتى مدينة خيبر ،
فخرج مرحب ، صاحب الحصن ، وعليه مغفر وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ،
وهو يرتجز ، فبرز إليه علي فضربه فقد الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الأضراس ، ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر ،
يرتجز فخرج إليه الزبير بن العوام ، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب : أيقتل ابني يا رسول الله ؟ قال :
" بل ابنك يقتله إن شاء الله " ، ثم التقيا فقتله الزبير ، ثم لم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتح الحصون ،
ويقتل المقاتلة ويسبي الذرية ، ويحوز الأموال .قال محمد بن إسحاق : وكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم ،
وعنده قتل محمود بن سلمة ، ألقت عليه اليهود حجرا فقتله ، ثم فتح العموص ،
حصن ابن أبي الحقيق ، فأصاب منها سبايا ، منهم صفية بنت حيي بن أخطب ،
جاء بلال بها وبأخرى معها ، فمر بهما على قتلى من قتلى يهود ، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها ،
فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أعزبوا عني هذه الشيطانة " ، وأمر بصفية فحيزت خلفه ،
وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اصطفاها لنفسه ، وقال رسول الله لبلال ، لما رأى من تلك اليهودية ما رأى :
" أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلى رجالهما " ، وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها ، فعرضت رؤياها على زوجها ،
فقال : ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز محمدا ، فلطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها ،
فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها وبها أثر منها فسألها ما هو ؟ فأخبرته هذا الخبر ، وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزوجها كنانة بن الربيع ، وكان عنده كنز بني النضير فسأله ،
فجحده أن يكون يعلم مكانه ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل من اليهود فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني قد رأيت كنانة يطوف بهذه الخربة كل غداة ،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكنانة : أرأيت إن وجدناه عندك أنقتلك ؟ قال : نعم ؟ فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخربة فحفرت ،
فأخرج منها بعض كنزهم ، ثم سأله ما بقي فأبى أن يؤديه ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزبير بن العوام فقال :
عذبه حتى تستأصل ما عنده ، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه ، ثم دفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة .أخبرنا عبد الواحد المليحي ،
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ،
حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا عبد العزيز بن صهيب ،
عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا خيبر ، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس ، فركب نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ،
وركب أبو طلحة ، وأنا رديف أبي طلحة ، فأجرى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ،
ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما دخل القرية قال : " الله أكبر خربت خيبر ،
إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " ، قالها ثلاثا ، وخرج القوم إلى أعمالهم ،
فقالوا : محمد قال عبد العزيز ، وقال بعض أصحابنا :
والخميس يعني : الجيش قال : فأصبناها عنوة ،
فجمع السبي فجاء دحية فقال : يا نبي الله [ أعطني جارية من السبي ، قال :
اذهب فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيي ، فجاء رجل إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا نبي الله ] أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير ،
لا تصلح إلا لك ، قال : " ادعوه بها " ،
فجاء بها ، فلما نظر إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " خذ جارية من السبي غيرها " ،
قال : فأعتقها النبي - صلى الله عليه وسلم - وتزوجها ، فقال له ثابت :
يا أبا حمزة ما أصدقها ؟ قال : نفسها ، أعتقها وتزوجها ،
حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم ، فأهدتها له من الليل ، فأصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - عروسا ،
فقال : من كان عنده شيء فليجئ به ، وبسط نطعا فجعل الرجل يجيء بالتمر وجعل الآخر يجيء بالسمن ،
قال : وأحسبه قد ذكر السويق ، قال :
فحاسوا حيسا فكانت وليمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ،
حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عبد الواحد الشيباني قال :
سمعت ابن أبي أوفى يقول : أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها ،
فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اكفئوا القدور ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئا ، قال عبد الله : فقلنا إنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنها لم تخمس ،
وقال آخرون : حرمها البتة وسألت سعيد بن جبير فقال : حرمها البتة .أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ،
أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ،
حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي ، أخبرنا خالد بن الحارث ،
حدثنا شعبة ، عن هشام بن زيد ، عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاة مسمومة ،
فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسألها عن ذلك ،
فقالت : أردت لأقتلك ، قال :
" ما كان الله ليسلطك على ذلك ، أو قال : علي " ،
قال : قالوا ألا نقتلها ؟ قال : لا .
قال : فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .وقال محمد بن إسماعيل : قال يونس ،
عن الزهري قال عروة ، قالت عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في مرضه الذي مات فيه :
" يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر ، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم " .أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ،
أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا محمد بن بشار ،
أخبرنا حرمي ، أخبرنا شعبة قال : أخبرني عمارة ،
عن عكرمة ، عن عائشة قالت : لما فتحت خيبر قلنا :
الآن نشبع من التمر .أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ،
حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أحمد بن المقدام ، حدثنا فضيل بن سليمان ،
حدثنا موسى بن عقبة ، أخبرني نافع ، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز ،
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها ، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين ، فسأل اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتركهم على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر ،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " نقركم على ذلك ما شئنا " . فأقروا حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء .قال محمد بن إسحاق :
فلما سمع أهل فدك بما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه أن يسيرهم ويحقن لهم دماءهم ، ويخلوا له الأموال ، ففعل .
ثم إن أهل خيبر سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعاملهم الأموال على النصف ، ففعل على أنا إذا شئنا أخرجناكم ، فصالحه أهل فدك على مثل ذلك ،
فكانت خيبر للمسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب .فلما اطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية ، وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقيل لها :
الذراع ، فأكثرت فيها السم ، وسممت سائر الشاة ،
ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، تناول الذراع فأخذها فلاك منها مضغة فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن معرور ،
وقد أخذ منها كما أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأما بشر فأساغها ، وأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلفظها ،
ثم قال : " إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم " ، ثم دعا بها فاعترفت ،
فقال : " ما حملك على ذلك ؟ " قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك ،
فقلت : إن كان ملكا استرحت منه ، وإن كان نبيا فسيخبر ،
فتجاوز عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومات بشر بن البراء من أكلته التي أكل .قال : ودخلت أم بشر بن البراء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعوده في مرضه الذي توفي فيه ،
فقال : " يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري " ، وكان المسلمون يرون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات شهيدا مع ما أكرمه الله من النبوة .