قوله تعالى : ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون .فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى :
ثم جعلناك على شريعة من الأمر الشريعة في اللغة : المذهب والملة . ويقال لمشرعة الماء - وهي مورد الشاربة - :
شريعة . ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد . فالشريعة :
ما شرع الله لعباده من الدين ، والجمع : الشرائع .
والشرائع في الدين : المذاهب التي شرعها الله لخلقه . فمعنى :
جعلناك على شريعة من الأمر أي : على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق . وقال ابن عباس :
على شريعة أي : على هدى من الأمر . قتادة :
الشريعة : الأمر والنهي والحدود والفرائض . مقاتل :
البينة ; لأنها طريق إلى الحق . الكلبي : السنة ; لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء .
ابن زيد : الدين ; لأنه طريق النجاة . قال ابن العربي :
والأمر يرد في اللغة بمعنيين : أحدهما : بمعنى الشأن كقوله :
فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد . والثاني : أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي .
وكلاهما يصح أن يكون مرادا هاهنا ، وتقديره : ثم جعلناك على طريقة من الدين وهي ملة الإسلام ،
كما قال تعالى : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين .ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح ، وإنما خالف بينهما في الفروع حسبما علمه سبحانه .الثاني :
قال ابن العربي : ظن بعض من يتكلم في العلم أن هذه الآية دليل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا ; لأن الله تعالى أفرد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته في هذه الآية بشريعة ، ولا ننكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته منفردان بشريعة ،
وإنما الخلاف فيما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء هل يلزم اتباعه أم لا .قوله تعالى : ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون يعني المشركين . وقال ابن عباس :
قريظة والنضير . وعنه : نزلت لما دعته قريش إلى دين آبائه .