العودة للسورة الزمر

تفسير سورة الزمر - الآية 19

السورة 39
الآية 19
75 آيات
19

أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَیۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِی ٱلنَّارِ

التفاسير العلمية(8)

|

أفمن وجبت عليه كلمة العذاب؛ باستمراره على غيِّه وعناده، فإنه لا حيلة لك -أيها الرسول- في هدايته،

أفتقدر أن تنقذ مَن في النار؟ لست بقادر على ذلك.

«أفمن حق عليه كلمة العذاب» أي: (لأملأن جهنم) «أفأنت تنقذ» تخرج «من في النار» جواب الشرط وأقيم فيه الظاهر مقام المضمر والهمزة للإنكار، والمعنى لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار.

أي: أفمن وجبت عليه كلمة العذاب باستمراره على غيه وعناده وكفره، فإنه لا حيلة لك في هدايته،

ولا تقدر تنقذ من في النار لا محالة.

يقول تعالى : أفمن كتب الله أنه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك ؟ أي : لا يهديه أحد من بعد الله ; لأنه من يضلل الله فلا هادي له ،

ومن يهده فلا مضل له .

فقال- تعالى- أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ، أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ.والاستفهام للنفي، والتقدير:

أفمن وجب عليه العذاب بسبب إصراره على كفره حتى النهاية، أفتستطيع أنت- أيها الرسول الكريم- أن تنقذه من هذا المصير الأليم؟ لا- أيها الرسول الكريم- إنك لا تستطيع ذلك. لأن من سبق عليه قضاؤنا بأنه من أهل النار،

بسبب استحبابه الكفر على الإيمان لن تستطيع أنت أو غيرك إنقاذه منها.

( أفمن حق عليه كلمة العذاب ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : من سبق في علم الله أنه من أهل النار . وقيل :

كلمة العذاب قوله : " لأملأن جهنم " ، وقيل :

قوله : " هؤلاء في النار ولا أبالي " . ( أفأنت تنقذ من في النار ) أي :

لا تقدر عليه . قال ابن عباس : يريد أبا لهب وولده .

قوله تعالى : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرص على إيمان قوم وقد سبقت لهم من الله الشقاوة ، فنزلت هذه الآية .

قال ابن عباس : يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان . وكرر الاستفهام في قوله :

" أفأنت " تأكيدا لطول الكلام ، وكذا قال سيبويه في قوله تعالى : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون على ما تقدم .

والمعنى : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه . والكلام شرط وجوابه ،

وجيء بالاستفهام ليدل على التوقيف والتقرير . وقال الفراء : المعنى أفأنت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب .

والمعنى واحد . وقيل : إن في الكلام حذفا ،

والتقدير : أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه ، وما بعده مستأنف .

وقال : أفمن حق عليه وقال في موضع آخر : " حقت كلمة العذاب " لأن الفعل إذا تقدم ووقع بينه وبين الموصوف به حائل جاز التذكير والتأنيث ،

على أن التأنيث هنا ليس بحقيقي ، بل الكلمة في معنى الكلام والقول ، أي :

أفمن حق عليه قول العذاب .

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)يعني تعالى ذكره بقوله: ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ) :

أفمن وجبت عليه كلمة العذاب في سابق علم ربك يا محمد بكفره به.كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله:

( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ) بكفره.وقوله: ( أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أفأنت تنقذ يا محمد من هو في النار من حق عليه كلمة العذاب, فأنت تنقذه،

فاستغنى بقوله: ( تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) عن هذا. وكان بعض نحويي الكوفة يقول:

هذا مما يراد به استفهام واحد, فيسبق الاستفهام إلى غير موضعه, فيرد الاستفهام إلى موضعه الذي هو له. وإنما المعنى والله أعلم: أفأنت تنقذ من في النار من حقَّت عليه كلمة العذاب.

قال: ومثله من غير الاستفهام: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ فردد " أنكم " مرتين.

والمعنى والله أعلم: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، ومثله قوله:

لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وكان بعضهم يستخطئ القول الذي حكيناه عن البصريين, ويقول: لا تكون في قوله: ( أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) كناية عمن تقدّم, لا يقال:

القوم ضربت من قام, يقول: المعنى: ألتجزئة أفأنت تُنْقذ من في النار منهم.

وإنما معنى الكلمة: أفأنت تهدي يا محمد من قد سبق له في علم الله أنه من أهل النار إلى الإيمان, فتنقذه من النار بالإيمان؟ لست على ذلك بقادر.