إذ أرسلنا إليهم اثنين وأضاف الرب ذلك إلى نفسه ; لأن عيسى أرسلهما بأمر الرب ، وكان ذلك حين رفع عيسى إلى السماء . فكذبوهما .
قيل : ضربوهما وسجنوهما . فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون أي :
فقوينا وشددنا الرسالة " بثالث " . وقرأ أبو بكر عن عاصم : " فعززنا بثالث " بالتخفيف ،
وشدد الباقون . قال الجوهري : وقوله تعالى :
" فعززنا بثالث " يخفف ويشدد ، أي : قوينا وشددنا .
قال الأصمعي : أنشدني فيه أبو عمرو بن العلاء للمتلمس :أجد إذا رحلت تعزز لحمها وإذا تشد بنسعها لا تنبسأي : لا ترغو ،
فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى . وقيل : التخفيف بمعنى غلبنا وقهرنا ،
ومنه : وعزني في الخطاب . والتشديد بمعنى قوينا وكثرنا .
وفي القصة : أن عيسى أرسل إليهم رسولين فلقيا شيخا يرعى غنيمات له ، وهو حبيب النجار صاحب ( يس ) فدعوه إلى الله وقالا :
نحن رسولا عيسى ندعوك إلى عبادة الله . فطالبهما بالمعجزة فقالا : نحن نشفي المرضى .
وكان له ابن مجنون . وقيل : مريض على الفراش ،
فمسحاه ، فقام بإذن الله صحيحا ، فآمن الرجل بالله .
وقيل : هو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ، ففشا أمرهما ،
وشفيا كثيرا من المرضى ، فأرسل الملك إليهما - وكان يعبد الأصنام - يستخبرهما فقالا : نحن رسولا عيسى .
فقال : وما آيتكما ؟ قالا : نبرئ الأكمه والأبرص ونبرئ المريض بإذن الله ،
وندعوك إلى عبادة الله وحده . فهم الملك بضربهما . وقال وهب :
حبسهما الملك وجلدهما مائة جلدة ، فانتهى الخبر إلى عيسى فأرسل ثالثا . قيل :
شمعون الصفا رأس الحواريين لنصرهما ، فعاشر حاشية الملك حتى تمكن منهم ، واستأنسوا به ،
ورفعوا حديثه إلى الملك فأنس به ، وأظهر موافقته في دينه ، فرضي الملك طريقته ،
ثم قال يوما للملك : بلغني أنك حبست رجلين دعواك إلى الله ، فلو سألت عنهما ما وراءهما .
فقال : إن الغضب حال بيني وبين سؤالهما . قال :
فلو أحضرتهما . فأمر بذلك ، فقال لهما شمعون :
ما برهانكما على ما تدعيان ؟ فقالا : نبرئ الأكمه والأبرص . فجيء بغلام ممسوح العينين ،
موضع عينيه كالجبهة ، فدعوا ربهما فانشق موضع البصر ، فأخذا بندقتين طينا فوضعاهما في خديه ،
فصارتا مقلتين يبصر بهما ، فعجب الملك وقال : إن هاهنا غلاما مات منذ سبعة أيام ولم أدفنه حتى يجيء أبوه ،
فهل يحييه ربكما ؟ فدعوا الله علانية ، ودعاه شمعون سرا ، فقام الميت حيا ،
فقال للناس : إني مت منذ سبعة أيام ، فوجدت مشركا ،
فأدخلت في سبعة أودية من النار ، فأحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله ، ثم فتحت أبواب السماء ،
فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة شمعون وصاحبيه ، حتى أحياني الله ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،
وأن عيسى روح الله وكلمته ، وأن هؤلاء هم رسل الله . فقالوا له :
وهذا شمعون أيضا معهم ؟ فقال : نعم ، وهو أفضلهم .
فأعلمهم شمعون أنه رسول المسيح إليهم ، فأثر قوله في الملك ، فدعاه إلى الله ،
فآمن الملك في قوم كثير وكفر آخرون .وحكى القشيري أن الملك آمن ولم يؤمن قومه ، وصاح جبريل صيحة مات كل من بقي منهم من الكفار . وروي أن عيسى لما أمرهم أن يذهبوا إلى تلك القرية قالوا :
يا نبي الله ، إنا لا نعرف أن نتكلم بألسنتهم ولغاتهم . فدعا الله لهم فناموا بمكانهم ،
فهبوا من نومتهم قد حملتهم الملائكة فألقتهم بأرض أنطاكية ، فكلم كل واحد صاحبه بلغة القوم ، فذلك قوله :
وأيدناه بروح القدس فقالوا جميعا : إنا إليكم مرسلون