قوله تعالى : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور .فيه ثماني مسائل :الأولى : قوله تعالى :
من محاريب المحراب في اللغة : كل موضع مرتفع . وقيل للذي يصلى فيه :
محراب ; لأنه يجب أن يرفع ويعظم . وقال الضحاك : من محاريب أي من مساجد .
وكذا قال قتادة . وقال مجاهد : المحاريب دون القصور .
وقال أبو عبيدة : المحراب أشرف بيوت الدار . قال [ امرؤ القيس ] :وماذا عليه أن ذكرت أوانسا كغزلان رمل في محاريب أقيالوقال عدي بن زيد :كدمى العاج في المحاريب أو كال بيض في الروض زهره مستنيروقيل :
هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة ; كما قال : إذ تسوروا المحراب وقوله : فخرج على قومه من المحراب أي أشرف عليهم .
وفي الخبر ( أنه أمر أن يعمل حول كرسيه ألف محراب فيها ألف رجل عليهم المسوح يصرخون إلى الله دائبا ، وهو على الكرسي في موكبه والمحاريب حوله ، ويقول لجنوده إذا ركب :
سبحوا الله إلى ذلك العلم ، فإذا بلغوه قال : هللوه إلى ذلك العلم فإذا بلغوه قال :
كبروه إلى ذلك العلم الآخر ، فتلج الجنود بالتسبيح والتهليل لجة واحدة ) .الثانية : قوله تعالى :
وتماثيل جمع تمثال . وهو كل ما صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان . وقيل :
كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان . وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء ، وكانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا ،
قال صلى الله عليه وسلم : إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور . أي ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة .
وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان ، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم . وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة ( نوح ) عليه السلام .
وقيل : التماثيل طلسمات كان يعملها ، ويحرم على كل مصور أن يتجاوزها فلا يتجاوزها ،
فيعمل تمثالا للذباب أو للبعوض أو للتماسيح في مكان ، ويأمرهم ألا يتجاوزوه فلا يتجاوزه واحد أبدا ما دام ذلك التمثال قائما . وواحد التماثيل تمثال بكسر التاء .
قال [ امرؤ القيس ] :ويا رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثالوقيل : إن هذه التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل الله ولا يحيك فيهم السلاح . ويقال :
إن إسفنديار كان منهم ; والله أعلم . وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه ، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما ،
وإذا قعد أطلق النسران أجنحتهما .الثالثة : حكى مكي في الهداية له : أن فرقة تجوز التصوير ،
وتحتج بهذه الآية . قال ابن عطية : وذلك خطأ ،
وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه .قلت : ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله ، قال النحاس :
قال قوم عمل الصور جائز لهذه الآية ، ولما أخبر الله عز وجل عن المسيح . وقال قوم :
قد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عنها والتوعد لمن عملها أو اتخذها ، فنسخ الله عز وجل بهذا ما كان مباحا قبله ، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بعث عليه السلام والصور تعبد ،
فكان الأصلح إزالتها .الرابعة : التمثال على قسمين : حيوان وموات .
والموات على قسمين : جماد ونام ; وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه ; لعموم قوله : ( وتماثيل ) .
وفي الإسرائيليات : أن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان . فإن قيل :
لا عموم لقوله : ( وتماثيل ) فإنه إثبات في نكرة ، والإثبات في النكرة لا عموم له ،
إنما العموم في النفي في النكرة . قلنا : كذلك هو ،
بيد أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله على العموم ، وهو قوله : ( ما يشاء ) فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له .
فإن قيل : كيف استجاز الصور المنهي عنها ؟ قلنا : كان ذلك جائزا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا ،
والله أعلم . وعن أبي العالية : لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما .الخامسة :
مقتضى الأحاديث يدل أن الصور ممنوعة ، ثم جاء ( إلا ما كان رقما في ثوب ) فخص من جملة الصور ، ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه السلام لعائشة في الثوب :
أخريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا . ثم بهتكه الثوب المصور على عائشة منع منه ، ثم بقطعها له وسادتين تغيرت الصورة وخرجت عن هيئتها ،
فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة ، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز ، لقولها في النمرقة المصورة :
اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها ، فمنع منه وتوعد عليه . وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه .
فهكذا استقر الأمر فيه والله أعلم ; قاله ابن العربي .السادسة : روى مسلم عن عائشة قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبله ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا . قالت :
وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير ، فكنا نلبسها . وعنها قالت :
دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرام فيه صورة ، فتلون وجهه ، ثم تناول الستر فهتكه ،
ثم قال : إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله عز وجل . وعنها :
أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليه فقال : أخريه عني قالت :
فأخرته فجعلته وسادتين . قال بعض العلماء : ويمكن أن يكون تهتيكه عليه السلام الثوب وأمره بتأخيره ورعا ; لأن محل النبوة والرسالة الكمال .
فتأمله .السابعة قال المزني عن الشافعي : إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح أو صورا ذات أرواح ، لم يدخل إن كانت منصوبة .
وإن كانت توطأ فلا بأس ، وإن كانت صور الشجر . ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير محرمة .
وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء . واستثنى بعضهم ما كان رقما في ثوب ، لحديث سهل بن حنيف .قلت :
لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن . وقوله : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم ولم يستثن .
وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول :
إني وكلت بثلاث : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين قال أبو عيسى :
هذا حديث حسن غريب صحيح . وفي البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود . قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون . يدل على المنع من تصوير شيء ، أي شيء كان .
وقد قال جل وعز : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها على ما تقدم بيانه فاعلمه .الثامنة : وقد استثني من هذا الباب لعب البنات ،
لما ثبت ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين ، وزفت إليه وهي بنت تسع ولعبها معها ،
ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة سنة . وعنها أيضا قالت : كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي ،
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي خرجهما مسلم . قال العلماء : وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن .
ثم إنه لا بقاء لذلك ، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له ، فرخص في ذلك ،
والله أعلم .قوله تعالى : وجفان كالجواب قال ابن عرفة : الجوابي جمع الجابية ،
وهي حفيرة كالحوض . وقال : كحياض الإبل .
وقال ابن القاسم عن مالك : كالجوبة من الأرض ، والمعنى متقارب .
وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل . النحاس : وجفان كالجواب الأولى أن تكون بالياء ،
ومن حذف الياء قال سبيل الألف واللام أن تدخل على النكرة فلا يغيرها عن حالها ، فلما كان يقال ( جواب ) ودخلت الألف واللام أقر على حاله فحذف الياء . وواحد الجوابي جابية ،
وهي القدر العظيمة ، والحوض العظيم الكبير الذي يجبى فيه الشيء أي يجمع ; ومنه جبيت الخراج ، وجبيت الجراد ; أي جعلت الكساء فجمعته فيه .
إلا أن ليثا روى عن مجاهد قال : الجوابي جمع جوبة ، والجوبة الحفرة الكبيرة تكون في الجبل فيها ماء المطر .
وقال الكسائي : جبوت الماء في الحوض وجبيته أي جمعته ، والجابية :
الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل ، قال :تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهقويروى أيضا :نفى الذم عن آل المحلق جفنة كجابية السيح . .ذكره النحاس .قوله تعالى :
وقدور راسيات قال سعيد بن جبير : هي قدور النحاس تكون بفارس . وقال الضحاك :
هي قدور تعمل من الجبال . غيره : قد نحتت من الجبال الصم مما عملت له الشياطين ،
أثافيها منها منحوتة هكذا من الجبال . ومعنى ( راسيات ) ثوابت ، لا تحمل ولا تحرك لعظمها .
قال ابن العربي : وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان ، يصعد إليها في الجاهلية بسلم .
وعنها عبر طرفة بن العبد بقوله :كالجوابي لا تني مترعة لقرى الأضياف أو للمحتضرقال ابن العربي : ورأيت برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك ، فإنهم يطبخون جميعا ويأكلون جميعا من غير استئثار واحد منهم على أحد .قوله تعالى :
اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور قد مضى معنى الشكر في ( البقرة ) وغيرها . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال : ( ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود ) قال فقلنا :
ما هن ؟ . فقال : العدل في الرضا والغضب .
والقصد في الفقر والغنى . وخشية الله في السر والعلانية . خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة .
وروي أن داود عليه السلام قال : ( يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك . وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك ) فقال :
( يا داود الآن عرفتني ) . وقد مضى هذا المعنى في سورة ( إبراهيم ) . وأن الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته ،
والكفران استعمالها في المعصية . وقليل من يفعل ذلك ; لأن الخير أقل من الشر ، والطاعة أقل من المعصية ،
بحسب سابق التقدير . وقال مجاهد : لما قال الله تعالى اعملوا آل داود شكرا قال داود لسليمان :
إن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل ، قال : لا أقدر ،
قال : فاكفني - قال الفاريابي ، أراه قال إلى صلاة الظهر - قال نعم ،
فكفاه . وقال الزهري : اعملوا آل داود شكرا أي قولوا الحمد لله .
و ( شكرا ) نصب على جهة المفعول ; أي اعملوا عملا هو الشكر . وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدت مسده ، ويبين هذا قوله تعالى :
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وهو المراد بقوله وقليل من عبادي الشكور . وقد قال سفيان بن عيينة في تأويل قوله تعالى أن اشكر لي أن المراد بالشكر الصلوات الخمس . وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطر قدماه ; فقالت له عائشة رضي الله عنها :
أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : أفلا أكون عبدا شكورا . انفرد بإخراجه مسلم .
فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان ; فالشكر بالأفعال عمل الأركان ، والشكر بالأقوال عمل اللسان . والله أعلم .قوله تعالى :
وقليل من عبادي الشكور يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود ، ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن عطية :
وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض . وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول : اللهم اجعلني من القليل ; فقال عمر :
ما هذا الدعاء ؟ فقال الرجل : أردت قوله تعالى وقليل من عبادي الشكور . فقال عمر رضي الله عنه :
كل الناس أعلم منك يا عمر ! وروي أن سليمان عليه السلام كان يأكل الشعير ويطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك . وقد قيل : إنه كان يأكل الرماد ويتوسده ،
والأول أصح ، إذ الرماد ليس بقوت . وروي أنه ما شبع قط ،
فقيل له في ذلك فقال : أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع . وهذا من الشكر ومن القليل ،
فتأمله ، والله أعلم .