[ نزلت ] هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم ، واضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية ، وحاصره فيها مدة طويلة ،
ثم عادت الدولة لهرقل ، كما سيأتي .قال الإمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ،
حدثنا أبو إسحاق ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي عمرة ،
عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ،
في قوله تعالى : ( الم غلبت الروم في أدنى الأرض ) قال : غلبت وغلبت .
قال : كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ; لأنهم أصحاب أوثان ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ; لأنهم أهل كتاب ،
فذكر ذلك لأبي بكر ، ، فذكره أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" أما إنهم سيغلبون " فذكره أبو بكر لهم ، فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا ،
وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا . فجعل أجلا خمس سنين ، فلم يظهروا ،
فذكر ذلك أبو بكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ألا جعلتها إلى دون " أراه قال : " العشر " .
" قال سعيد بن جبير : البضع ما دون العشر . ثم ظهرت الروم بعد ،
قال : فذلك قوله : ( الم .
غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ) .هكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن الحسين بن حريث ، عن معاوية بن عمرو ،
عن أبي إسحاق الفزاري ، عن سفيان بن سعيد الثوري به ، وقال الترمذي :
حسن غريب ، إنما نعرفه من حديث سفيان ، عن حبيب .ورواه ابن أبي حاتم ،
عن محمد بن إسحاق الصاغاني ، عن معاوية بن عمرو به . ورواه ابن جرير :حدثنا محمد بن المثنى ،
حدثنا محمد بن سعيد - أو سعيد الثعلبي الذي يقال له : أبو سعد من أهل طرسوس - حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، فذكره .
وعندهم : قال سفيان : فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر .حديث آخر :
قال سليمان بن مهران الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ،
قال : قال عبد الله : خمس قد مضين :
الدخان ، واللزام ، والبطشة ،
والقمر ، والروم . أخرجاه .وقال ابن جرير :
حدثنا ابن وكيع ، حدثنا المحاربي ، عن داود بن أبي هند ،
عن عامر - هو الشعبي - عن عبد الله - هو ابن مسعود رضي الله عنه - قال : كان فارس ظاهرا على الروم ، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ،
وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ; لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم ، فلما نزلت : ( الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) قالوا :
يا أبا بكر ، إن صاحبك يقول : إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين ؟ ! قال :
صدق . قالوا : هل لك إلى أن نقامرك ،
فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين ، فمضت السبع ولم يكن شيء ، ففرح المشركون بذلك وشق على المسلمين ،
فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ما بضع سنين عندكم " ؟ قالوا : دون العشر .
قال : " اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل " . قال :
فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بذلك ، وأنزل الله :
( الم غلبت الروم ) إلى قوله : ( [ وعد الله ] لا يخلف الله وعده ) .حديث آخر : قال ابن أبي حاتم :
حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي ، حدثنا مؤمل ،
عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال :
لما نزلت : ( الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) قال المشركون لأبي بكر : ألا ترى إلى ما يقول صاحبك ؟ يزعم أن الروم تغلب فارس .
قال : صدق صاحبي . قالوا :
هل لك أن نخاطرك ؟ فجعل بينه وبينهم أجلا فحل الأجل قبل أن تغلب الروم فارس ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فساءه ذلك وكرهه ، وقال لأبي بكر :
" ما دعاك إلى هذا ؟ " قال : تصديقا لله ولرسوله . فقال :
" تعرض لهم وأعظم الخطر واجعله إلى بضع سنين " . فأتاهم أبو بكر فقال لهم : هل لكم في العود ،
فإن العود أحمد ؟ قالوا : نعم . [ قال ] فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس ،
وربطوا خيولهم بالمدائن ، وبنوا الرومية ، فجاء به أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال :
هذا السحت ، قال : " تصدق به " .حديث آخر :
قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ،
أخبرني ابن أبي الزناد ، عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم الأسلمي قال : لما نزلت ،
( الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم ، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم ; لأنهم وإياهم أهل كتاب ، وفي ذلك قول الله :
( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ) وكانت قريش تحب ظهور فارس ; لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث ، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة : ( الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) قال ناس من قريش لأبي بكر :
فذاك بيننا وبينك . زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين ، أفلا نراهنك على ذلك ؟ قال :
بلى - وذلك قبل تحريم الرهان - فارتهن أبو بكر والمشركون ، وتواضعوا الرهان ، وقالوا لأبي بكر :
كم تجعل البضع : ثلاث سنين إلى تسع سنين ، فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه .
قال : فسموا بينهم ست سنين . قال :
فمضت ست السنين قبل أن يظهروا ، فأخذ المشركون رهن أبي بكر ، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس ،
فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين ، قال : لأن الله قال :
( في بضع سنين ) . قال : فأسلم عند ذلك ناس كثير .هكذا ساقه الترمذي ،
ثم قال : هذا حديث حسن صحيح ، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد .
وقد روي نحو هذا مرسلا عن جماعة من التابعين مثل عكرمة ، والشعبي ، ومجاهد ،
وقتادة ، والسدي ، والزهري ،
وغيرهم .ومن أغرب هذه السياقات ما رواه الإمام سنيد بن داود في تفسيره حيث قال : حدثني حجاج ، عن أبي بكر بن عبد الله ،
عن عكرمة قال : كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال ، فدعاها كسرى فقال :
إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك ، فأشيري علي ، أيهم أستعمل ؟ فقالت :
هذا فلان ، وهو أروغ من ثعلب ، وأحذر من صقر .
وهذا فرخان ، وهو أنفذ من سنان . وهذا شهريراز ،
وهو أحلم من كذا - تعني أولادها الثلاثة - فاستعمل أيهم شئت . قال : فإني قد استعملت الحليم .
فاستعمل شهريراز ، فسار إلى الروم بأهل فارس ، فظهر عليهم فقتلهم ،
وخرب مدائنهم ، وقطع زيتونهم .قال أبو بكر بن عبد الله : فحدثت بهذا الحديث عطاء الخراساني فقال :
أما رأيت بلاد الشام ؟ قلت : لا قال : أما إنك لو رأيتها لرأيت المدائن التي خربت ،
والزيتون الذي قطع . فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته .قال عطاء الخراساني : حدثني يحيى بن يعمر :
أن قيصر بعث رجلا يدعى قطمة بجيش من الروم ، وبعث كسرى شهريراز فالتقيا بأذرعات وبصرى ، وهي أدنى الشام إليكم ،
فلقيت فارس الروم ، فغلبتهم فارس . ففرحت بذلك كفار قريش وكرهه المسلمون .قال عكرمة :
ولقي المشركون أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : إنكم أهل كتاب ، والنصارى أهل كتاب [ ونحن أميون ،
وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب ] ، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم ، فأنزل الله :
( الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء ) ، فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال : أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا ،
فلا تفرحوا ، ولا يقرن الله أعينكم ، فوالله ليظهرن الله الروم على فارس ،
أخبرنا بذلك نبينا - صلى الله عليه وسلم - . فقام إليه أبي بن خلف فقال : كذبت يا أبا فضيل .
فقال له أبو بكر : أنت أكذب يا عدو الله . فقال :
أناحبك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك ، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت ، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين .
ثم جاء أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال : " ما هكذا ذكرت ،
إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع ، فزايده في الخطر وماده في الأجل " ، فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال :
لعلك ندمت ؟ فقال : لا ، تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل ،
فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين . قال : قد فعلت ،
فظهرت الروم على فارس قبل ذلك ، فغلبهم المسلمون .قال عكرمة : لما أن ظهرت فارس على الروم ،
جلس فرخان يشرب وهو أخو شهريراز فقال لأصحابه : لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى ، فبلغت كسرى فكتب إلى شهريراز إذا أتاك كتابي [ هذا ] فابعث إلي برأس فرخان .
فكتب إليه : أيها الملك ، إنك لن تجد مثل فرخان له نكاية وصوت في العدو ،
فلا تفعل . فكتب إليه : إن في رجال فارس خلفا منه ،
فعجل إلي برأسه . فراجعه ، فغضب كسرى فلم يجبه ،
وبعث بريدا إلى أهل فارس : إني قد نزعت عنكم شهريراز ، واستعملت عليكم فرخان .
ثم دفع إلى البريد صحيفة لطيفة صغيرة فقال : إذا ولي فرخان الملك ، وانقاد له أخوه ،
فأعطه هذه ، فلما قرأ شهريراز الكتاب قال : سمعا وطاعة ،
ونزل عن سريره ، وجلس فرخان ، ودفع إليه الصحيفة ،
قال ائتوني بشهريراز وقدمه ليضرب عنقه ، قال : لا تعجل [ علي ] حتى أكتب وصيتي ،
قال : نعم . فدعا بالسفط فأعطاه الصحائف وقال :
كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد . فرد الملك إلى أخيه شهريراز وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم : إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تحملها الصحف ،
فالقني ، ولا تلقني إلا في خمسين روميا ، فإني ألقاك في خمسين فارسيا .
فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي ، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق ، وخاف أن يكون قد مكر به ،
حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلا . ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما ، مع كل واحد منهما سكين ،
فدعيا ترجمانا بينهما ، فقال شهريراز إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا ، وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت ،
ثم أمر أخي أن يقتلني . وقد خلعناه جميعا ، فنحن نقاتله معك .
قال : قد أصبتما . ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا .
قال : أجل . فقتلا الترجمان جميعا بسكينيهما .
[ قال ] فأهلك الله كسرى ، وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ، ففرح والمسلمون معه .فهذا سياق غريب ،
وبناء عجيب . ولنتكلم على كلمات هذه الآيات الكريمة ، فقوله تعالى :
( الم غلبت الروم ) قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور ، في أول سورة " البقرة " . وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم ،
وهم أبناء عم بني إسرائيل ، ويقال لهم : بنو الأصفر .
وكانوا على دين اليونان ، واليونان من سلالة يافث بن نوح ، أبناء عم الترك .
وكانوا يعبدون الكواكب السيارة السبعة ، ويقال لها : المتحيرة ،
ويصلون إلى القطب الشمالي ، وهم الذين أسسوا دمشق ، وبنوا معبدها ،
وفيه محاريب إلى جهة الشمال ، فكان الروم على دينهم إلى مبعث المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة ، وكان من ملك الشام مع الجزيرة منهم يقال له :
قيصر . فكان أول من دخل في دين النصارى من الملوك قسطنطين بن قسطس ، وأمه مريم الهيلانية الشدقانية من أرض حران ،
كانت قد تنصرت قبله ، فدعته إلى دينها ، وكان قبل ذلك فيلسوفا ،
فتابعها - يقال : تقية - واجتمعت به النصارى ، وتناظروا في زمانه مع عبد الله بن أريوس ،
واختلفوا اختلافا [ كثيرا ] منتشرا متشتتا لا ينضبط ، إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ، فوضعوا لقسطنطين العقيدة ،
وهي التي يسمونها الأمانة الكبيرة ، وإنما هي الخيانة الحقيرة ، ووضعوا له القوانين - يعنون كتب الأحكام من تحليل وتحريم وغير ذلك مما يحتاجون إليه ،
وغيروا دين المسيح ، عليه السلام ، وزادوا فيه ونقصوا منه .
وفصلوا إلى المشرق واعتاضوا عن السبت بالأحد ، وعبدوا الصليب وأحلوا الخنزير . واتخذوا أعيادا أحدثوها كعيد الصليب والقداس والغطاس ،
وغير ذلك من البواعيث والشعانين ، وجعلوا له الباب وهو كبيرهم ، ثم البتاركة ،
ثم المطارنة ، ثم الأساقفة والقساقسة ، ثم الشمامسة .
وابتدعوا الرهبانية . وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد ، وأسس المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية ،
يقال : إنه بنى في أيامه اثني عشر ألف كنيسة ، وبنى بيت لحم بثلاثة محاريب ،
وبنت أمه القمامة ، وهؤلاء هم الملكية ، يعنون الذين هم على دين الملك .ثم حدثت بعدهم اليعقوبية أتباع يعقوب الإسكاف ،
ثم النسطورية أصحاب نسطورا ، وهم فرق وطوائف كثيرة ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة " . والغرض أنهم استمروا على النصرانية ، كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده ،
حتى كان آخرهم هرقل . وكان من عقلاء الرجال ، ومن أحزم الملوك وأدهاهم ،
وأبعدهم غورا وأقصاهم رأيا ، فتملك عليهم في رياسة عظيمة وأبهة كبيرة ، فناوأه كسرى ملك الفرس ،
وملك البلاد كالعراق وخراسان والري ، وجميع بلاد العجم ، وهو سابور ذو الأكتاف .
وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر ، وله رياسة العجم وحماقة الفرس ، وكانوا مجوسا يعبدون النار .
فتقدم عن عكرمة أنه بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه ، والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده فقهره وكسره وقصره ، حتى لم يبق معه سوى مدينة قسطنطينية .
فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه ، وكانت النصارى تعظمه تعظيما زائدا ، ولم يقدر كسرى على فتح البلد ،
ولا أمكنه ذلك لحصانتها; لأن نصفها من ناحية البر ونصفها الآخر من ناحية البحر ، فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هنالك . فلما طال الأمر دبر قيصر مكيدة ،
ورأى في نفسه خديعة ، فطلب من كسرى أن يقلع عن بلاده على مال يصالحه عليه ، ويشترط عليه ما شاء .
فأجابه إلى ذلك ، وطلب منه أموالا عظيمة لا يقدر عليها أحد من ملوك الدنيا ، من ذهب وجواهر وأقمشة وجوار وخدام وأصناف كثيرة .
فطاوعه قيصر ، وأوهمه أن عنده جميع ما طلب ، واستقل عقله لما طلب منه ما طلب ،
ولو اجتمع هو وإياه لعجزت قدرتهما عن جمع عشره ، وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام وأقاليم مملكته ، ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله ودفائنه ،
فأطلق سراحه ، فلما عزم قيصر على الخروج من مدينة قسطنطينية ، جمع أهل ملته وقال :
إني خارج في أمر قد أبرمته ، في جند قد عينته من جيشي ، فإن رجعت إليكم قبل الحول فأنا ملككم ،
وإن لم أرجع إليكم قبلها فأنتم بالخيار ، إن شئتم استمررتم على بيعتي ، وإن شئتم وليتم عليكم غيري .
فأجابوه بأنك ملكنا ما دمت حيا ، ولو غبت عشرة أعوام . فلما خرج من القسطنطينية خرج جريدة في جيش متوسط ،
هذا وكسرى مخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع ، فركب قيصر من فوره وسار مسرعا حتى انتهى إلى بلاد فارس ، فعاث في بلادهم قتلا لرجالها ومن بها من المقاتلة ،
أولا فأولا ولم يزل يقتل حتى انتهى إلى المدائن ، وهي كرسي مملكة كسرى ، فقتل من بها ،
وأخذ جميع حواصله وأمواله ، وأسر نساءه وحريمه ، وحلق رأس ولده ،
وركبه على حمار وبعث معه من الأساورة من قومه في غاية الهوان والذلة ، وكتب إلى كسرى يقول : هذا ما طلبت فخذه .
فلما بلغ ذلك كسرى أخذه من الغم ما لا يحصيه إلا الله عز وجل ، واشتد حنقه على البلد ، فاشتد في حصارها بكل ممكن فلم يقدر على ذلك .
فلما عجز ركب ليأخذ عليه الطريق من مخاضة جيحون ، التي لا سبيل لقيصر إلى القسطنطينية إلا منها ، فلما علم قيصر بذلك احتال بحيلة عظيمة لم يسبق إليها ،
وهو أنه أرصد جنده وحواصله التي معه عند فم المخاضة ، وركب في بعض الجيش ، وأمر بأحمال من التبن والبعر والروث فحملت معه ،
وسار إلى قريب من يوم في الماء مصعدا ، ثم أمر بإلقاء تلك الأحمال في النهر ، فلما مرت بكسرى ظن هو وجنده أنهم قد خاضوا من هنالك ،
فركبوا في طلبهم فشغرت المخاضة عن الفرس ، وقدم قيصر فأمرهم بالنهوض في الخوض ، فخاضوا وأسرعوا السير ففاتوا كسرى وجنوده ،
ودخلوا القسطنطينية . وكان ذلك يوما مشهودا عند النصارى ، وبقي كسرى وجيوشه حائرين لا يدرون ماذا يصنعون .
لم يحصلوا على بلاد قيصر ، وبلادهم قد خربتها الروم وأخذوا حواصلهم ، وسبوا ذراريهم ونساءهم .
فكان هذا من غلب الروم فارس ، وكان ذلك بعد تسع سنين من غلب الفرس للروم .وكانت الواقعة الكائنة بين فارس والروم حين غلبت الروم بين أذرعات وبصرى ، على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما ،
وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز .وقال مجاهد : كان ذلك في الجزيرة ، وهي أقرب بلاد الروم من فارس ،
فالله أعلم .ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين ، وهي تسع ; فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلى التسع . وكذلك جاء في الحديث الذي رواه الترمذي ،
وابن جرير وغيرهما ، من حديث عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي ، عن الزهري ،
عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر في مناحبة ( الم غلبت الروم ) ألا احتطت يا أبا بكر ، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع ؟ " ،
ثم قال : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه .وروى ابن جرير ، عن عبد الله بن عمرو :
أنه قال ذلك .