القول في تأويل قوله : أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك:فقرأته عامة قرأة الحجاز من مكة والمدينة،
وقرأةُ الكوفة: ( " أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ " ) ، ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) على وجه الخطاب.* * *وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ )( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) بالياء كلتيهما،
على وجه الخبر عن الغائب.* * *وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ )، على وجه الخبر عن الغائب،
( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، بالتاء على وجه المخاطبة.* * *قال أبو جعفر: وأولى ذلك بالصواب،
قراءةُ من قرأ: " أفغير دين الله تبغون " على وجه الخطاب " وإليه تُرجعون " بالتاء. لأن الآية التي قبلها خطابٌ لهم،
فإتباعُ الخطاب نظيرَه، أولى من صرف الكلام إلى غير نظيره. وإن كان الوجه الآخر جائزًا،
لما قد ذكرنا فيما مضى قبل: من أن الحكاية يخرج الكلام معها أحيانًا على الخطاب كله، وأحيانًا على وجه الخبر عن الغائب،
وأحيانًا بعضُه على الخطاب، وبعضُه على الغيبة، فقوله:
" تبغون " و " إليه ترجعون " في هذه الآية، من ذلك. (56)* * *وتأويل الكلام:
يا معشرَ أهل الكتاب =" أفغيرَ دين الله تبغون "، يقول: أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون،
(57) =" وله أسلم من في السماوات والأرض "، يقول: وله خَشع من في السموات والأرض،
فخضع له بالعبودة، (58) وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية (59) =" طوْعًا وكرهًا "،
يقول أسلم لله طائعًا من كان إسلامه منهم له طائعًا، وذلك كالملائكة والأنبياء والمرسلين، فإنهم أسلموا لله طائعين =" وكرهًا "،
من كان منهم كارهًا. (60)* * *واختلف أهل التأويل في معنى إسلام الكاره الإسلام وصفته.فقال بعضهم: إسلامه،
إقراره بأنّ الله خالقه وربُّه، وإن أشرك معه في العبادة غيرَه.ذكر من قال ذلك:7342 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع،
عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد:
" وله أسلم من في السموات والأرض "، قال: هو كقوله:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [سورة الزمر: 38].7343 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال،
حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد مثله.7344 - حدثني المثنى قال،
حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه،
عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه تُرجعون "،
قال: كل آدميّ قد أقرّ على نفسه بأن الله ربّي وأنا عبده. فمن أشرَكَ في عبادته فهذا الذي أسلم كَرْهًا،
ومن أخلص له العبودة، (61) فهو الذي أسلم طوعًا.* * *وقال آخرون: بل إسلام الكاره منهم،
كان حين أخذَ منه الميثاق فأقرَّ به.ذكر من قال ذلك:7345 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان،
عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس:
" وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "، قال: حين أخذَ الميثاق.* * *وقال آخرون؛
عنى بإسلام الكاره منهم، سُجودَ ظله.ذكر من قال ذلك:7346 - حدثنا سوَّار بن عبد الله قال، حدثنا المعتمر بن سليمان،
عن ليث، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "،
قال: الطائع المؤمن = و " كرهًا "، ظلّ الكافر.7347 - حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال،
حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:
" طوعًا وكرهًا "، قال: سجود المؤمن طائعًا،
وسجود الكافر وهو كاره.7348 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل،
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " كَرْهًا "،
قال: سجود المؤمن طائعًا، وسجود ظلّ الكافر وهو كاره.7349 - حدثنا القاسم قال،
حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج،
عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: سجود وجهه طائعًا،
وظله كارهًا. (62)* * *وقال آخرون: بل إسلامه بقلبه في مشيئة الله،
واستقادته لأمره وإن أنكر ألوهته بلسانه.ذكر من قال ذلك:7350 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل،
عن جابر، عن عامر: " وله أسلم من في السموات والأرض "،
قال: استقاد كلهم له. (63)* * *وقال آخرون:
عنى بذلك إسلام من أسلم من الناس كرْهًا، حَذَر السيف على نفسه.ذكر من قال ذلك:7351 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال،
حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا " الآية كلها،
فقال: أكره أقوامٌ على الإسلام، وجاء أقوامٌ طائعين.7352 - حدثني الحسن بن قزعة الباهلي قال،
حدثنا روح بن عطاء، عن مطر الورّاق في قول الله عز وجل: " وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه ترجعون "،
قال: الملائكة طوعًا، والأنصار طوعًا،
وبنو سُلَيمُ وعبد القيس طوعًا، والناس كلهم كرهًا.* * *وقال آخرون معنى ذلك: أنّ أهل الإيمان أسلموا طوعًا،
وأنّ الكافر أسلم في حال المعاينة، حينَ لا ينفعه إسلامٌ، كرهًا.ذكر من قال ذلك:7353 - حدثنا بشر قال،
حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:
" أفغير دين الله تبغون "، الآية، فأما المؤمن فأسلم طائعًا فنفعه ذلك،
وقُبِل منه، وأما الكافر فأسلم كارهًا حين لا ينفعه ذلك، ولا يقبل منه.7354 - حدثنا الحسن بن يحيى قال،
أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:
" وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "، قال: أما المؤمن فأسلم طائعًا،
وأما الكافر فأسلم حين رأى بأسَ الله، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [سورة غافر: 85].* * *وقال آخرون:
معنى ذلك: أيْ: عبادةُ الخلق لله عز وجل.
(64)ذكر من قال ذلك:7355 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية،
عن علي، عن ابن عباس قوله: " أفغير دين الله تبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "،
قال: عبادتهم لي أجمعين طوعًا وكرهًا، وهو قوله:
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [سورة الرعد: 15].* * *وأما قوله: " وإليه تُرجعون "،
فإنه يعني: " وإليه "، يا معشر من يبتغي غيرَ الإسلام دينًا من اليهود والنصارى وسائر الناس =" ترجعون "،
يقول: إليه تصيرون بعد مماتكم، فمجازيكم بأعمالكم،
المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءَته.* * *وهذا من الله عز وجل تحذيرٌ خلقَه أن يرجع إليه أحدٌ منهم فيصيرُ إليه بعد وفاته على غير ملة الإسلام.* * *------------------------الهوامش :(56) انظر ما سلف: 464 والتعليق رقم:
2 ، والمراجع هناك. وانظر فهرس مباحث العربية.(57) انظر تفسير"الدين" فيما سلف 1:
115 ، 221 / 3: 571 / ثم 6:
273 ، 274 = ثم معنى"يبغي" فيما سلف 3: 508 / 4:
163 / ثم 6: 196 ، تعليق:
3.(58) في المطبوعة: "العبودية" ، وأثبت ما في المخطوطة ،
كما سلف مرارًا. انظر قريبًا: ص:
549 تعلق 2 ، والمراجع هناك.(59) انظر تفسير"أسلم" فيما سلف ص: 489 ،
تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(60) انظر تفسير"الكره" فيما سلف 4:
297 ، 298.(61) في المطبوعة: "العبودية" ،
وانظر التعليق السالف رقم ص: 564 ، رقم:
3.(62) في المخطوطة والمطبوعة: "سجود وجهه وظله طائعًا" ، وهو لا يستقيم ،
واستظهرت من أخبار مجاهد السالفة ، أن هذا هو حق المعنى ، وأنه أولى بالصواب.(63) الأثر:
7350-"جابر" هو: "جابر بن يزيد الجعفي". روى عن أبي الطفيل وأبي الضحى وعكرمة وعطاء وطاوس.
روى عنه شعبة والثوري وإسرائيل وجماعة. و"عامر" ، هو الشعبي.
وكان في المخطوطة والمطبوعة: "جابر بن عامر" ، وليس في الرواة أحد بهذا الاسم.(64) في المطبوعة:
"في عبادة الخلق" ، وفي المخطوطة"أن عبادة الخلق" ، وصوابه قراءتها ما أثبت.