هو الذي أنزل عليك الكتابالقول في تأويل قوله تعالى : هو الذي أنزل عليك الكتاب يعني بقوله جل ثناؤه : هو الذي أنزل عليك الكتاب أن الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء , هو الذي أنزل عليك الكتاب يعني بالكتاب :
القرآن . وقد أتينا على البيان فيما مضى عن السبب الذي من أجله سمي القرآن كتابا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهاتوأما قوله : منه آيات محكمات فإنه يعني من الكتاب آيات , يعني بالآيات آيات القرآن .
وأما المحكمات : فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل , وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام , ووعد ووعيد , وثواب وعقاب , وأمر وزجر , وخبر ومثل , وعظة وعبر , وما أشبه ذلك . ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن هن أم الكتاب , يعني بذلك أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود , وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم , وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم .
وإنما سماهن أم الكتاب , لأنهن معظم الكتاب , وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه , وكذلك تفعل العرب , تسمي الجامع معظم الشيء أما له , فتسمي راية القوم التي تجمعه في العساكر أمهم , والمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها . وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته . ووحد أم الكتاب , ولم يجمع فيقول :
هن أمهات الكتاب , وقد قال هن لأنه أراد جميع الآيات المحكمات أم الكتاب , لا أن كل آية منهن أم الكتاب , ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهن أم الكتاب , لكان لا شك قد قيل : هن أمهات الكتاب . ونظير قول الله عز وجل :
هن أم الكتاب على التأويل الذي قلنا في توحيد الأم وهي خبر ل " هن " قوله تعالى ذكره : وجعلنا ابن مريم وأمه آية 23 50 ولم يقل آيتين , لأن معناه : وجعلنا جميعهما آية , إذ كان المعنى واحدا فيما حملا فيه للخلق عبرة .
ولو كان مراده الخبر عن كل واحد منهما على انفراده , بأنه جعل للخلق عبرة , لقيل : وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين ; لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة . وذلك أن مريم ولدت من غير رجل , ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيا , فكان في كل واحد منهما للناس آية .
وقد قال بعض نحويي البصرة : إنما قيل : هن أم الكتاب ولم يقل :
" هن أمهات الكتاب " على وجه الحكاية , كما يقول الرجل : ما لي أنصار , فتقول : أنا أنصارك , أو ما لي نظير , فتقول :
نحن نظيرك . قال : وهو شبيه " دعني من تمرتان " , وأنشد لرجل من فقعس :
تعرضت لي بمكان حل تعرض المهرة في الطول تعرضا لم تأل عن قتلا لي حل أي يحل به , على الحكاية , لأنه كان منصوبا قبل ذلك , كما يقول : نودي : الصلاة الصلاة , يحكي قول القائل :
الصلاة الصلاة ! وقال : قال بعضهم : إنما هي أن قتلا لي , ولكنه جعله " عن " لأن أن في لغته تجعل موضعها " عن " والنصب على الأمر , كأنك قلت :
ضربا لزيد . وهذا قول لا معنى له , لأن كل هذه الشواهد التي استشهد بها , لا شك أنهن حكايات حالتهن بما حكى عن قول غيره وألفاظه التي نطق بهن , وأن معلوما أن الله جل ثناؤه لم يحك عن أحد قوله : أم الكتاب , فيجوز أن يقال :
أخرج ذلك مخرج الحكاية عمن قال ذلك كذلك . وأما قوله وأخر فإنها جمع أخرى . ثم اختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم يصرف " أخر " , فقال بعضهم :
لم يصرف أخر من أجل أنها نعت واحدتها أخرى , كما لم تصرف جمع وكتع , لأنهن نعوت . وقال آخرون : إنما لم تصرف الأخر لزيادة الياء التي في واحدتها , وأن جمعها مبني على واحدها في ترك الصرف , قالوا :
وإنما ترك صرف أخرى , كما ترك صرف حمراء وبيضاء في النكرة والمعرفة لزيادة المدة فيها والهمزة بالواو , ثم افترق جمع حمراء وأخرى , فبني جمع أخرى على واحدته , فقيل : فعل أخر , فترك صرفها كما ترك صرف أخرى , وبني جمع حمراء وبيضاء على خلاف واحدته , فصرف , فقيل حمر وبيض . فلاختلاف حالتيهما في الجمع اختلف إعرابهما عندهم في الصرف , ولاتفاق حالتيهما في الواحدة اتفقت حالتاهما فيها .
وأما قوله : متشابهات فإن معناه : متشابهات في التلاوة , مختلفات في المعنى , كما قال جل ثناؤه :
وأتوا به متشابها 2 25 يعني في المنظر : مختلفا في المطعم , وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال : إن البقر تشابه علينا 2 70 يعنون بذلك :
تشابه علينا في الصفة , وإن اختلفت أنواعه . فتأويل الكلام إذا : إن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء , هو الذي أنزل عليك يا محمد القرآن , منه آيات محكمات بالبيان , هن أصل الكتاب الذي عليه عمادك وعماد أمتك في الدين , وإليه مفزعك ومفزعهم فيما افترضت عليك وعليهم من شرائع الإسلام , وآيات أخر هن متشابهات في التلاوة , مختلفات في المعاني .
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات وما المحكم من آي الكتاب , وما المتشابه منه ؟ فقال بعضهم : المحكمات من آي القرآن :
المعمول بهن , وهن الناسخات , أو المثبتات الأحكام ; والمتشابهات من آيه : المتروك العمل بهن , المنسوخات . ذكر من قال ذلك :
5163 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا العوام , عمن حدثه , عن ابن عباس في قوله :
منه آيات محكمات قال : هي الثلاث الآيات التي ههنا : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم 6 151 إلى ثلاث آيات , والتي في بني إسرائيل :
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه 17 23 إلى آخر الآيات . 5164 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال :
ثنا معاوية بن صالح , عن على بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب المحكمات : ناسخه , وحلاله , وحرامه , وحدوده , وفرائضه , وما يؤمن به , ويعمل به .
قال : وأخر متشابهات والمتشابهات : منسوخه , ومقدمه , ومؤخره , وأمثاله , وأقسامه , وما يؤمن به , ولا يعمل به .
5165 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال :
ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس في قوله : هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى : وأخر متشابهات فالمحكمات التي هي أم الكتاب :
الناسخ الذي يدان به ويعمل به ; والمتشابهات : هن المنسوخات التي لا يدان بهن . 5166 - حدثني موسى , قال :
ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره , عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس , وعن مرة الهمداني , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب إلى قوله :
كل من عند ربنا أما الآيات المحكمات : فهن الناسخات التي يعمل بهن ; وأما المتشابهات : فهن المنسوخات .
5167 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة :
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب والمحكمات : الناسخ الذي يعمل به ما أحل الله فيه حلاله وحرم فيه حرامه ; وأما المتشابهات : فالمنسوخ الذي لا يعمل به ويؤمن 5168 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال :
أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : آيات محكمات قال :
المحكم : ما يعمل به . 5169 - حدثنا المثنى , قال :
ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات قال :
المحكمات : الناسخ الذي يعمل به , والمتشابهات : المنسوخ الذي لا يعمل به , ويؤمن به .
5170 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك في قوله :
آيات محكمات هن أم الكتاب قال : الناسخات , وأخر متشابهات قال : ما نسخ وترك يتلى .
* - حدثني ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك بن مزاحم , قال : المحكم ما لم ينسخ , وما تشابه منه :
ما نسخ . * - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال :
أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : آيات محكمات هن أم الكتاب قال : الناسخ , وأخر متشابهات قال :
المنسوخ . 5171 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال :
ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات قال : المحكمات :
الذي يعمل به . * - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ يحدث , قال :
أخبرنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : منه آيات محكمات يعني :
الناسخ الذي يعمل به , وأخر متشابهات يعني المنسوح , يؤمن به ولا يعمل به . * - حدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال :
ثنا سلمة , عن الضحاك : منه آيات محكمات قال : ما لم ينسخ , وأخر متشابهات قال :
ما قد نسخ . وقال آخرون : المحكمات من آي الكتاب :
ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه ; والمتشابه منها : ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه . ذكر من قال ذلك :
5172 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : منه آيات محكمات ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك , فهو متشابه يصدق بعضه بعضا , وهو مثل قوله :
وما يضل به إلا الفاسقين 2 26 ومثل قوله : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون 6 125 ومثل قوله : والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم 47 17 * - حدثني المثنى , قال :
ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد . مثله .
وقال آخرون : المحكمات من آي الكتاب : ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد ; والمتشابه منه :
ما احتمل من التأويل أوجها . ذكر من قال ذلك : 5173 - حدثنا ابن حميد , قال :
ثنا سلمة , عن محمد بن إسحاق , قال : ثني محمد بن جعفر بن الزبير : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات فيهن حجة الرب , وعصمة العباد , ودفع الخصوم والباطل , ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه .
وأخر متشابهة في الصدق , لهن تصريف وتحريف وتأويل , ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام , لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق . وقال آخرون : معنى المحكم :
ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم , ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته . والمتشابه : هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور فقصة باتفاق الألفاظ واختلافه المعاني , وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعانى .
ذكر من قال ذلك : 5174 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال :
قال ابن زيد وقرأ : الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير 11 1 قال . وذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين آية منها , وحديث نوح في أربع وعشرين آية منها .
ثم قال : تلك من أنباء الغيب 11 49 ثم ذكر : وإلى عاد فقرأ حتى بلغ :
واستغفروا ربكم 11 90 ثم مضى ثم ذكر صالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا , وفرغ من ذلك . وهذا يقين , ذلك يقين أحكمت آياته ثم فصلت . قال :
والمتشابه ذكر موسى في أمكنة كثيرة , وهو متشابه , وهو كله معنى واحد ومتشابه : اسلك فيها 23 27 احمل فيها 11 40 اسلك يدك 28 32 أدخل يدك 27 12 حية تسعى 20 20 ثعبان مبين 7 107 قال . ثم ذكر هودا في عشر آيات منها , وصالحا في ثماني آيات منها وإبراهيم في ثماني آيات أخرى , ولوطا في ثماني آيات منها , وشعيبا في ثلاث عشرة آية , وموسى في أربع آيات , كل هذا يقضي بين الأنبياء وبين قومهم في هذه السورة , فانتهى ذلك إلى مائة آية من سورة هود , ثم قال :
ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد 11 100 وقال في المتشابه من القرآن : من يرد الله به البلاء والضلالة , يقول : ما شأن هذا لا يكون هكذا , وما شأن هذا لا يكون هكذا ؟ وقال آخرون :
بل المحكم من آي القرآن : ما عرف العلماء تأويله , وفهموا معناه وتفسيره ; والمتشابه : ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه , وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم , ووقت طلوع الشمس من مغربها , وقيام الساعة , وفناء الدنيا , وما أشبه ذلك , فإن ذلك لا يعلمه أحد .
وقالوا : إنما سمى الله من آي الكتاب المتشابه الحروف المقطعة التي في أوائل بعض سور القرآن من نحو الم , والمص , والمر , والر , وما أشبه ذلك , لأنهن متشابهات في الألفاظ , وموافقات حروف حساب الجمل . وكان قوم من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعوا أن يدركوا من قبلها معرفة مدة الإسلام وأهله , ويعلموا نهاية أكل محمد وأمته , فأكذب الله أحدوثتهم بذلك , وأعلمهم أن ما ابتغوا علمه من ذلك من قبل هذه الحروف المتشابهة لا يدركونه ولا من قبل غيرها , وأن ذلك لا يعلمه إلا الله .
وهذا قول ذكر عن جابر بن عبد الله بن رئاب أن هذه الآية نزلت فيه , وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه وعن غيره ممن قال نحو مقالته في تأويل ذلك في تفسير قوله : الم ذلك الكتاب لا ريب فيه 2 1 : 2 وهذا القول الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أشبه بتأويل الآية , وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإنما أنزله عليه بيانا له ولأمته وهدى للعالمين , وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه , ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة , ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل .
فإذا كان ذلك كذلك , فكل ما فيه لخلقه إليه الحاجة , وإن كان في بعضه ما بهم عن بعض معانيه الغنى , وإن اضطرته الحاجة إليه في معان كثيرة , وذلك كقول الله عز وجل : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا 6 158 فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه عباده أنها إذا جاءت لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك , هي طلوع الشمس من مغربها . فالذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك هو العلم منهم بوقت نفع التوبة بصفته بغير تحديده بعد بالسنين والشهور والأيام , فقد بين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب , وأوضحه لهم على لسان رسول صلى الله عليه وسلم مفسرا .
والذي لا حاجة لهم إلى علمه منه هو العلم بمقدار المدة التي بين وقت نزول هذه الآية ووقت حدوث تلك الآية , فإن ذلك مما لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا , وذلك هو العلم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خلقه , فحجبه عنهم , وذلك وما أشبهه هو المعنى الذي طلبت اليهود معرفته في مدة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من قبل قوله : الم , والمص , والر , والمر , ونحو ذلك من الحروف المقطعة المتشابهات , التي أخبر الله جل ثناؤه أنهم لا يدركون تأويل ذلك من قبله , وأنه لا يعلم تأويله إلا الله . فإذا كان المتشابه هو ما وصفنا , فكل ما عداه فمحكم , لأنه لن يخلو من أن يكون محكما بأنه بمعنى واحد لا تأويل له غير تأويل واحد , وقد استغني بسماعه عن بيان يبينه , أو يكون محكما , وإن كان ذا وجوه وتأويلات وتصرف في معان كثيرة , فالدلالة على المعنى المراد منه إما من بيان الله تعالى ذكره عنه أو بيان رسوله صلى الله عليه وسلم لأمته , ولن يذهب علم ذلك عن علماء الأمة لما قد بينا .
القول في تأويل قوله تعالى : هن أم الكتاب قد أتينا على البيان عن تأويل ذلك بالدلالة الشاهدة على صحة ما قلنا فيه , ونحن ذاكرو اختلاف أهل التأويل فيه . وذلك أنهم اختلفوا في تأويله , فقال بعضهم :
معنى قوله : هن أم الكتاب هن اللائي فيهن الفرائض والحدود والأحكام , نحو قيلنا الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك :
5175 - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد , قال : ثنا إسحاق بن سويد , عن يحيى بن يعمر أنه قال في هذه الآية :
محكمات هن أم الكتاب قال يحيى : هن اللاتي فيهن الفرائض والحدود وعماد الدين , وضرب لذلك مثلا فقال : أم القرى مكة , وأم خراسان مرو , وأم المسافرين الذين يجعلون إليه أمرهم , ويعنى بهم في سفرهم , قال :
فذاك أمهم . 5176 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال :
قال ابن زيد في قوله : هن أم الكتاب قال : هن جماع الكتاب .
وقال آخرون : بل معني بذلك فواتح السور التي منها يستخرج القرآن . ذكر من قال ذلك :
5177 - حدثنا عمران بن موسى , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد , قال : ثنا إسحاق بن سويد , عن أبي فاختة أنه قال في هذه الآية :
منه آيات محكمات هن أم الكتاب قال : أم الكتاب : فواتح السور , منها يستخرج القرآن ; الم ذلك الكتاب 2 1 :
2 منها استخرجت البقرة , و الم الله لا إله إلا هو منها استخرجت آل عمران .فأما الذين في قلوبهم زيغالقول في تأويل قوله تعالى : فأما الذين في قلوبهم زيغ يعني بذلك جل ثناؤه : فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق , وانحراف عنه .
يقال منه : زاغ فلان عن الحق , فهو يزيغ عنه زيغا وزيغانا وزيوغة وزيوغا , وأزاغه الله : إذا أماله , فهو يزيغه , ومنه قوله جل ثناؤه :
ربنا لا تزغ قلوبنا لا تملها عن الحق بعد إذ هديتنا 3 8 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 5178 - حدثنا ابن حميد , قال :
ثنا سلمة , قال : ثني ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير : فأما الذين في قلوبهم زيغ أي ميل عن الهدى .
5179 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : في قلوبهم زيغ قال :
شك . * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال :
ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . 5180 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال :
ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : فأما الذين في قلوبهم زيغ قال : من أهل الشك .
5181 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس , وعن مرة الهمداني , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
فأما الذين في قلوبهم زيغ أما الزيغ : فالشك . 5182 - حدثنا القاسم , قال :
ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قال : زيغ شك .
قال ابن جريج الذين في قلوبهم زيغ المنافقون .فيتبعون ما تشابه منهالقول في تأويل قوله تعالى : فيتبعون ما تشابه منه يعني بقوله جل ثناؤه : فيتبعون ما تشابه منه ما تشابهت ألفاظه وتصرفت معانيه بوجوه التأويلات , ليحققوا بادعائهم الأباطيل من التأويلات في ذلك ما هم عليه من الضلالة والزيغ عن محجة الحق تلبيسا منهم بذلك على من ضعفت معرفته بوجوه تأويل ذلك وتصاريف معانيه .
كما : 5183 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال :
ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : فيتبعون ما تشابه منه فيحملون المحكم على المتشابه , والمتشابه على المحكم , ويلبسون , فلبس الله عليهم . 5184 - حدثنا ابن حميد , قال :
ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير : فيتبعون ما تشابه منه أي ما تحرف منه وتصرف , ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا , ليكون لهم حجة على ما قالوا وشبهة . 5185 - حدثنا القاسم , قال :
ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله : فيتبعون ما تشابه منه قال :
الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه ابتغاء تأويله . وقال آخرون في ذلك بما : 5186 - حدثني به موسى بن هارون , قال :
ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في قوله : فيتبعون ما تشابه منه يتبعون المنسوخ والناسخ , فيقولون :
ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا مجاز هذه الآية , فتركت الأولى وعمل بهذه الأخرى ؟ هلا كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نسخت . وما باله يعد العذاب من عمل عملا يعد به النار وفي مكان آخر من عمله فإنه لم يوجب النار . واختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية , فقال بعضهم :
عني به الوفد من نصارى نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فحاجوه بما حاجوه به , وخاصموه بأن قالوا : ألست تزعم أن عيسى روح الله وكلمته ؟ وتأولوا في ذلك ما يقولون فيه من الكفر . ذكر من قال ذلك :
5187 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال :
عمدوا - يعني الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى نجران - فخاصموا النبي صلى الله عليه وسلم , قالوا : ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال : " بلى " , قالوا :
فحسبنا ! فأنزل الله عز وجل : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ثم إن الله جل ثناؤه أنزل : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم .
.. الآية . 3 59 وقال آخرون :
بل أنزلت هذه الآية في أبي ياسر بن أخطب , وأخيه حيي بن أخطب , والنفر الذين ناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدر مدة أكله وأكل أمته , وأرادوا علم ذلك من قبل قوله : الم , والمص والمر , والر فقال الله جل ثناؤه فيهم : فأما الذين في قلوبهم زيغ يعني هؤلاء اليهود الذين قلوبهم مائلة عن الهدى والحق , فيتبعون ما تشابه منه يعني معاني هذه الحروف المقطعة المحتملة التصريف في الوجوه المختلفة التأويلات ابتغاء الفتنة .
وقد ذكرنا الرواية بذلك فيما مضى قبل في أول السورة التي تذكر فيها البقرة . وقال آخرون : بل عنى الله عز وجل بذلك كل مبتدع في دينه بدعة مخالفة لما ابتعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بتأويل يتأوله من بعض آي القرآن المحتملة التأويلات , وإن كان الله قد أحكم بيان ذلك , أما في كتابه وإما على لسان رسوله .
ذكر من قال ذلك : 5188 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال :
أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة . وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية :
فأما الذين في قلوبهم زيغ قال : إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم . ولعمري لقد كان في أهل بدر والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار , خبر لمن استخبر , وعبرة لمن استعبر , لمن كان يعقل أو يبصر .
إن الخوارج خرجوا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير بالمدينة والشام والعراق وأزواجه يومئذ أحياء , والله إن خرج منهم ذكر ولا أنثى حروريا قط , ولا رضوا الذي هم عليه ولا مالئوهم فيه , بل كانوا يحدثون بعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ونعته الذي نعتهم به , وكانوا يبغضونهم بقلوبهم ويعادونهم بألسنتهم وتشتد والله عليهم أيديهم إذا لقوهم . ولعمري لو كان أمر الخوارج هدى لاجتمع , ولكنه كان ضلالا فتفرق , وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافا كثيرا , فقد ألاصوا هذا الأمر منذ زمان طويل , فهل أفلحوا فيه يوما أو أنجحوا ؟ يا سبحان الله كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأولهم ؟ لو كانوا على هدى قد أظهره الله وأفلجه ونصره , ولكنهم كانوا على باطل أكذبه الله وأدحضه , فهم كما رأيتهم كلما خرج لهم قرن أدحض الله حجتهم , وأكذب أحدوثتهم , وأهرق دماءهم ; وإن كتموا كان قرحا في قلوبهم وغما عليهم , وإن أظهروه أهرق الله دماءهم , ذاكم والله دين سوء فاجتنبوه . والله إن اليهود لبدعة , وإن النصرانية لبدعة , وإن الحرورية لبدعة , وإن السبئية لبدعة , ما نزل بهن كتاب ولا سنهن نبي .
* - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة :
فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله طلب القوم التأويل فأخطئوا التأويل , وأصابوا الفتنة , فاتبعوا ما تشابه منه فهلكوا من ذلك . لعمري لقد كان في أصحاب بدر والحديبية الذين شهدوا بيعة الرضوان . وذكر نحو حديث عبد الرزاق , عن معمر , عنه .
5189 - حدثني محمد بن خالد بن خداش ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا إسماعيل بن علية , عن أيوب , عن عبد الله بن أبي مليكة , عن عائشة قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم :
هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى قوله : وما يذكر إلا أولوا الألباب فقال : " فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم " .
* - حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : سمعت أيوب , عن عبد الله بن أبي مليكة , عن عائشة أنها قالت :
قرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى : وما يذكر إلا أولوا الألباب .
قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه " أو قال :
ويتجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم قال مطر , عن أيوب أنه قال : " فلا تجالسوهم , فهم الذين عنى الله فاحذروهم " . * - حدثنا ابن بشار , قال :
ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , عن ابن أبي مليكة , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحو معناه . * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال :
أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب , عن ابن أبي مليكة , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه . 5190 - حدثني يونس , قال :
أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا الحارث , عن أيوب , عن ابن أبي مليكة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قرأ رسول الله هذه الآية :
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . .. الآية كلها , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله أولئك الذين قال الله : فلا تجالسوهم " . 5191 - حدثنا ابن وكيع , قال :
ثنا أبو أسامة , عن يزيد بن إبراهيم , عن ابن أبي مليكة , قال : سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة , قالت : تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية :
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ثم قرأ إلى آخر الآيات , فقال : " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه , فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " . 5192 - حدثنا علي بن سهل , قال :
ثنا الوليد بن مسلم , عن حماد بن سلمة , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن أبيه , عن عائشة , قالت : نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم : يتبعون ما تشابه منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" قد حذركم الله , فإذا رأيتموهم فاعرفوهم " . 5193 - حدثنا علي , قال : ثنا الوليد , عن نافع , عن عمر , عن عائشة , قالت :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتموهم فاحذروهم ! " , ثم نزع : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه " ولا يعلمون بمحكمه " .
* - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب , قال : أخبرنا عمي , قال : أخبرني شبيب بن سعيد , عن روح بن القاسم , عن ابن أبي مليكة , عن عائشة :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم فقال : " فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم " .
* - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا خالد بن نزار , عن نافع , عن ابن أبي مليكة , عن عائشة في هذه الآية : هو الذي أنزل عليك الكتاب .
.. الآية . يتبعها :
يتلوها , ثم يقول : " فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فاحذروهم فهم الذين عنى الله " . * - حدثنا ابن وكيع , قال :
ثنا يزيد بن هارون , عن حماد بن سلمة , عن ابن أبي مليكة , عن القاسم , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب إلى آخر الآية , قال : " هم الذين سماهم الله , فإذا رأيتموهم فاحذروهم " .
قال أبو جعفر : والذي يدل عليه ظاهر هذه الآية أنها نزلت في الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمتشابه ما أنزل إليه من كتاب الله إما في أمر عيسى , وإما في مدة أكله وأكل أمته , وهو بأن تكون في الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمتشابهه في مدته ومدة أمته أشبه , لأن قوله : وما يعلم تأويله إلا الله دال على أن ذلك إخبار عن المدة التي أرادوا علمها من قبل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله .
فأما أمر عيسى وأسبابه , فقد أعلم الله ذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته وبينه لهم , فمعلوم أنه لم يعن إلا ما كان خفيا عن الآحاد .ابتغاء الفتنةالقول في تأويل قوله تعالى : ابتغاء الفتنة اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك :
ابتغاء الشرك . ذكر من قال ذلك : 5194 - حدثني موسى بن هارون , قال :
ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : ابتغاء الفتنة قال :
إرادة الشرك . 5195 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال :
ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : ابتغاء الفتنة يعني الشرك . وقال آخرون :
معنى ذلك ابتغاء الشبهات . ذكر من قال ذلك : 5196 - حدثني محمد بن عمرو , قال :
ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : ابتغاء الفتنة قال : الشبهات بها أهلكوا .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله :
ابتغاء الفتنة الشبهات , قال : هلكوا به . * - حدثنا القاسم , قال :
ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد : ابتغاء الفتنة قال :
الشبهات , قال : والشبهات ما أهلكوا به . 5197 - حدثنا ابن حميد , قال :
ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير : ابتغاء الفتنة أي اللبس . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال :
معناه : إرادة الشبهات واللبس . فمعنى الكلام إذا :
فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وحيف عنه , فيتبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه , واحتمل صرفه في وجوه التأويلات , باحتماله المعاني المختلفة إرادة اللبس على نفسه وعلى غيره , احتجاجا به على باطله الذي مال إليه قلبه دون الحق الذي أبانه الله فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه . وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك , فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله بدعة , فمال قلبه إليها , تأويلا منه لبعض متشابه آي القرآن , ثم حاج به وجادل به أهل الحق , وعدل عن الواضح من أدلة آيه المحكمات إرادة منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين , وطلبا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك كائنا من كان , وأي أصناف البدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية , أو كان سبئيا , أو حروريا , أو قدريا , أو جهميا , كالذي قال صلى الله عليه وسلم : " فإذا رأيتم الذين يجادلون به فهم الذين عنى الله فاحذروهم " .
وكما : 5198 - حدثني يونس , قال : أخبرنا سفيان , عن معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه , عن ابن عباس :
وذكر عنده الخوارج , وما يلقون عند الفرار , فقال : يؤمنون بمحكمه , ويهلكون عند متشابهه . وقرأ ابن عباس :
وما يعلم تأويله إلا الله . .. الآية .
وإنما قلنا : القول الذي ذكرنا أنه أولى التأويلين بقوله : ابتغاء الفتنة لأن الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا أهل شرك , وإنما أرادوا بطلب تأويل ما طلبوا تأويله اللبس على المسلمين والاحتجاج به عليهم ليصدوهم عما هم عليه من الحق , فلا معنى لأن يقال :
فعلوا ذلك إرادة الشرك , وهم قد كانوا مشركين .وابتغاء تأويلهالقول في تأويل قوله تعالى : وابتغاء تأويله اختلف أهل التأويل في معنى التأويل الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله : وابتغاء تأويله فقال بعضهم معنى ذلك :
الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من انقضاء مدة أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر أمته من قبل الحروف المقطعة من حساب الجمل " الم " , و " المص " , و " الر " , و " المر " وما أشبه ذلك من الآجال . ذكر من قال ذلك : 5199 - حدثني المثنى , قال :
ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : أما قوله :
وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويله يوم القيامة إلا الله . وقال آخرون : بل معنى ذلك .
عواقب القرآن . وقالوا : إنما أرادوا أن يعلموا متى يجيء ناسخ الأحكام التي كان الله جل ثناؤه شرعها لأهل الإسلام قبل مجيئه , فنسخ ما قد كان شرعه قبل ذلك .
ذكر من قال ذلك : 5200 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال :
ثنا أسباط , عن السدي : وابتغاء تأويله أرادوا أن يعلموا تأويل القرآن , وهو عواقبه , قال الله : وما يعلم تأويله إلا الله , وتأويله عواقبه , متى يأتي الناسخ منه فينسخ المنسوخ .
وقال آخرون : معنى ذلك : وابتغاء تأويل ما تشابه من آي القرآن يتأولونه - إذ كان ذا وجوه وتصاريف في التأويلات - على ما في قلوبهم من الزيغ , وما ركبوه من الضلالة .
ذكر من قال ذلك : 5201 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير :
وابتغاء تأويله وذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم , خلقنا وقضينا . والقول الذي قاله ابن عباس من أن ابتغاء التأويل الذي طلبه القوم من المتشابه هو معرفة انقضاء المدة , ووقت قيام الساعة , والذي ذكرنا عن السدي من أنهم طلبوا وأرادوا معرفة وقت هو جاء قبل مجيئه أولى بالصواب , وإن كان السدي قد أغفل معنى ذلك من وجه صرفه إلى حصره على أن معناه : إن القوم طلبوا معرفة وقت مجيء الناسخ لما قد أحكم قبل ذلك .
وإنما قلنا : إن طلب القوم معرفة الوقت الذي هو جاء قبل مجيئه المحجوب علمه عنهم وعن غيرهم بمتشابه آي القرآن , أولى بتأويل قوله : وابتغاء تأويله لما قد دللنا عليه قبل من إخبار الله جل ثناؤه أن ذلك التأويل لا يعلمه إلا الله , ولا شك أن معنى قوله :
" قضينا " و " فعلنا " , قد علم تأويله كثير من جهلة أهل الشرك , فضلا عن أهل الإيمان وأهل الرسوخ في العلم منهم .وما يعلم تأويله إلا اللهالقول في تأويل قوله تعالى : وما يعلم تأويله إلا الله يعني جل ثناؤه بذلك : وما يعلم وقت قيام الساعة وانقضاء مدة أكل محمد وأمته وما هو كائن , إلا الله , دون من سواه من البشر الذين أملوا إدراك علم ذلك من قبل الحساب والتنجيم والكهانة .
وأما الراسخون في العلم , فيقولون : آمنا به كل من عند ربنا , لا يعلمون ذلك , ولكن فضل علمهم في ذلك على غيرهم العلم بأن الله هو العالم بذلك دون من سواه من خلقه . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , وهل الراسخون معطوف على اسم الله , بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه , أو هم مستأنف ذكرهم بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون آمنا بالمتشابه , وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله ؟ فقال بعضهم :
معنى ذلك : وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردا بعلمه . وأما الراسخون في العلم فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون :
آمنا بالمتشابه والمحكم , وأن جميع ذلك من عند الله . ذكر من قال ذلك : 5202 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال :
ثنا خالد بن نزار , عن نافع , عن ابن أبي مليكة , عن عائشة , قوله : والراسخون في العلم يقولون آمنا به قالت : كان من رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه , ولم يعلموا تأويله .
5203 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه , قال :
كان ابن عباس يقول : وما يعلم تأويله إلا الله يقول الراسخون : آمنا به .
5204 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني ابن أبي الزناد , قال :
قال هشام بن عروة : كان أبي يقول في هذه الآية : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله , ولكنهم يقولون :
آمنا به كل من عند ربنا 5205 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا عبيد الله , عن أبي نهيك الأسدي قوله :
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم فيقول : إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا . 5206 - حدثنا المثنى , قال :
ثنا ابن دكين , قال : ثنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب , قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول :
الراسخون في العلم انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا : آمنا به كل من عند ربنا 5207 - حدثني يونس , قال : أخبرنا أشهب , عن مالك في قوله :
وما يعلم تأويله إلا الله قال : ثم ابتدأ فقال : والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وليس يعلمون تأويله .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم , وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ذكر من قال ذلك :
5208 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , عن ابن عباس أنه قال : أنا ممن يعلم تأويله .
5209 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد . والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به .
حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد :
والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به . 5210 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع :
والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به . 5211 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير :
وما يعلم تأويله الذي أراد ما أراد إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به . ( فكيف يختلف وهو قول واحد من رب واحد ؟ ) ثم ردوا تأويل المتشابهة على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد , فاتسق بقولهم الكتاب , وصدق بعضه بعضا , فنفذت به الحجة , وظهر به العذر , وزاح به الباطل , ودمغ به الكفر . فمن قال القول الأول في ذلك , وقال :
إن الراسخين لا يعلمون تأويل ذلك , وإنما أخبر الله عنهم بإيمانهم وتصديقهم بأنه من عند الله , فإنه يرفع " الراسخين في العلم " بالابتداء في قول البصريين , ويجعل خبره " يقولون آمنا به " . وأما في قول بعض الكوفيين فبالعائد من ذكرهم في " يقولون " , وفي قول بعضهم بجملة الخبر عنهم , وهي ويقولون " . ومن قال القول الثاني , وزعم أن الراسخين يعلمون تأويله عطف بالراسخين على اسم الله فرفعهم بالعطف عليه .
والصواب عندنا في ذلك , أنهم مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم وهو " يقولون " , لما قد بينا قبل من أنهم لا يعلمون تأويل المتشابه الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية , وهو فيما بلغني مع ذلك في قراءة أبي : " ويقول الراسخون في العلم " كما ذكرناه عن ابن عباس أنه كان يقرؤه ; وفي قراءة عبد الله : إن تأويله إلا عند الله " والراسخون في العلم يقولون " .
وأما معنى التأويل في كلام العرب : فإنه التفسير والمرجع والمصير , وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى : على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا وأصله من آل الشيء إلى كذا , إذا صار إليه ورجع يئول أولا وأولته أنا :
صيرته إليه . وقد قيل : إن قوله :
وأحسن تأويلا 4 59 أي جزاء , وذلك أن الجزاء هو الذي آل إليه أمر القوم وصار إليه . ويعني بقوله : وتأول حبها " :
تفسير حبها ومرجعه , وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرا في قلبه , فآل من الصغر إلى العظم , فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديما كالسقب الصغير الذي لم يزل يشب حتى أصحب فصار كبيرا مثل أمه . وقد ينشد هذا البيت : على أنها كانت توابع حبها توالى ربعي السقاب فأصحباوالراسخون في العلم يقولون آمنا بهالقول في تأويل قوله تعالى :
والراسخون في العلم يقولون آمنا به يعني بالراسخين في العلم : العلماء الذين قد أتقنوا علمهم ووعوه فحفظوه حفظا لا يدخلهم في معرفتهم وعلمهم بما علموه شك ولا لبس , وأصل ذلك من رسوخ الشيء في الشيء , وهو ثبوته وولوجه فيه , يقال منه : رسخ الإيمان في قلب فلان فهو يرسخ رسخا ورسوخا .
وقد روي في نعتهم خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم , وهو ما : 5212 - حدثنا موسى بن سهل الرملي , قال : ثنا محمد بن عبد الله , قال :
ثنا فياض بن محمد الرقي , قال : ثنا عبد الله بن يزيد بن آدم , عن أبي الدرداء وأبي أمامة , قالا : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الراسخ في العلم ؟ قال :
" من برت يمينه , وصدق لسانه , واستقام له قلبا , وعف بطنه , فذلك الراسخ في العلم " . 5213 - حدثني المثنى وأحمد بن الحسن الترمذي , قالا : ثنا نعيم بن حماد , قال :
ثنا فياض الرقي , قال : ثنا عبد الله بن يزيد الأودي - قال : وكان أدرك أصحاب رسول الله - قال :
حدثنا أنس بن مالك وأبو أمامة وأبو الدرداء : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم , فقال : " من برت يمينه , وصدق لسانه , واستقام به قلبه , وعف بطنه وفرجه ; فذلك الراسخ في العلم " .
وقد قال جماعة من أهل التأويل : إنما سمى الله عز وجل هؤلاء القوم الراسخين في العلم بقولهم : آمنا به كل من عند ربنا .
ذكر من قال ذلك : 5214 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن جابر , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال :
الراسخون في العلم يقولون آمنا به قال : الراسخون الذين يقولون آمنا به كل من عند ربنا . 5215 - حدثني موسى , قال :
ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : والراسخون في العلم هم المؤمنون , فإنهم يقولون آمنا به بناسخه ومنسوخه كل من عند ربنا 5216 - حدثنا القاسم , قال :
ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , قال : قال ابن جريج :
قال ابن عباس : قال عبد الله بن سلام : الراسخون في العلم وعلمهم قولهم .
قال ابن جريج : الراسخون في العلم يقولون آمنا به وهم الذين يقولون : ربنا لا تزغ قلوبنا ويقولون :
ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه . .. الآية .
وأما تأويل قوله : يقولون آمنا به فإنه يعني : أن الراسخين في العلم يقولون صدقنا بما تشابه من آي الكتاب , وأنه حق , وإن لم نعلم تأويله .
وقد : 5217 - حدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال :
ثنا سلمة بن نبيط , عن الضحاك : والراسخون في العلم يقولون آمنا به قال : المحكم والمتشابه .كل من عند ربناالقول في تأويل قوله تعالى :
كل من عند ربنا يعني بقوله جل ثناؤه : كل من عند ربنا كل المحكم من الكتاب والمتشابه منه من عند ربنا , وهو تنزيله ووحيه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما : 5218 - حدثنا ابن وكيع , قال :
ثنا أبي , عن سفيان , عن جابر , عن مجاهد , عن ابن عباس في قوله : كل من عند ربنا قال : يعني ما نسخ منه , وما لم ينسخ .
5219 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله :
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم قالوا : كل من عند ربنا آمنوا بمتشابهه , وعملوا بمحكمه . 5220 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال :
ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : كل من عند ربنا يقولون : المحكم والمتشابه من عند ربنا .
5221 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال :
ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا يؤمن بالمحكم ويدين به , ويؤمن بالمتشابه ولا يدين به , وهو من عند الله كله . 5222 - حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال :
ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : والراسخون في العلم يعملون به , يقولون :
نعمل بالمحكم ونؤمن به , ونؤمن بالمتشابه ولا نعمل به , وكل من عند ربنا . واختلف أهل العربية في حكم " كل " إذا أضمر فيها . فقال بعض نحويي البصريين :
إذا جاز حذف المراد الذي كان معها الذي " الكل " إليه مضاف في هذا الموضع لأنها اسم , كما قال : إنا كل فيها 40 48 بمعنى : إنا كلنا فيها , قال :
ولا يكون " كل " مضمرا فيها وهي صفة , لا يقال : مررت بالقوم كل , وإنما يكون فيها مضمر إذا جعلتها اسما لو كان إنا كلا فيها على الصفة , لم يجز , لأن الإضمار فيها ضعيف لا يتمكن في كل مكان . وكان بعض نحويي الكوفيين يرى الإضمار فيها وهي صفة أو اسم سواء , لأنه غير جائز أن يحذف ما بعدها عنده إلا وهي كافية بنفسها عما كانت تضاف إليه من المضمر , وغير جائز أن تكون كافية منه في حال , ولا تكون كافية في أخرى , وقال :
سبيل الكل والبعض في الدلالة على ما بعدهما بأنفسهما وكفايتهما منه , بمعنى واحد في كل حال , صفة كانت أو اسما , وهذا القول الثاني أولى بالقياس , لأنها إذا كانت كافية بنفسها مما حذف منها في حال لدلالتها عليه , فالحكم فيها أنها كلما وجدت دالة على ما بعدها , فهي كافية منه .وما يذكر إلا أولو الألبابالقول في تأويل قوله تعالى : وما يذكر إلا أولوا الألباب يعني بذلك جل ثناؤه : وما يتذكر ويتعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به إلا أولو العقول والنهى .
وقد : 5223 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن جعفر بن الزبير :
وما يذكر إلا أولوا الألباب يقول : وما يتذكر في مثل هذا , يعني في رد تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم حتى يتسقا على معنى واحد , إلا أولو الألباب .