وقوله : ( قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ) وذلك أن سليمان ، عليه السلام أمر الشياطين فبنوا لها قصرا عظيما من قوارير ،
أي : من زجاج ، وأجرى تحته الماء ،
فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء ، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه . واختلفوا في السبب الذي دعا سليمان ،
عليه السلام ، إلى اتخاذه ، فقيل :
إنه لما عزم على تزويجها واصطفائها لنفسه ; ذكر له جمالها وحسنها ، ولكن في ساقيها هلب عظيم ، ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابة .
فساءه ذلك ، فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا ؟ - هذا قول محمد بن كعب القرظي ، وغيره - فلما دخلت وكشفت عن ساقيها ،
رأى أحسن الناس وأحسنه قدما ، ولكن رأى على رجليها شعرا ; لأنها ملكة ليس لها بعل فأحب أن يذهب ذلك عنها فقيل لها : الموسى ؟ فقالت :
لا أستطيع ذلك . وكره سليمان ذلك ، وقال للجن :
اصنعوا شيئا غير الموسى يذهب به هذا الشعر ، فصنعوا له النورة . وكان أول من اتخذت له النورة ،
قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ،
ومحمد بن كعب القرظي ، والسدي ، وابن جريج ،
وغيرهم .وقال محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان : ثم قال لها :
ادخلي الصرح ، ليريها ملكا هو أعز من ملكها ، وسلطانا هو أعظم من سلطانها .
فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ، لا تشك أنه ماء تخوضه ، فقيل لها :
إنه صرح ممرد من قوارير . فلما وقفت على سليمان ، دعاها إلى عبادة الله وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله .وقال الحسن البصري :
لما رأت العلجة الصرح عرفت - والله - أن قد رأت ملكا أعظم من ملكها .وقال محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه قال :
أمر سليمان بالصرح ، وقد عملته له الشياطين من زجاج ، كأنه الماء بياضا .
ثم أرسل الماء تحته ، ثم وضع له فيه سريره ، فجلس عليه ،
وعكفت عليه الطير والجن والإنس ، ثم قال : ادخلي الصرح ،
ليريها ملكا هو أعز من ملكها ، وسلطانا هو أعظم من سلطانها ( فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ) ، لا تشك أنه ماء تخوضه ،
قيل لها : ( إنه صرح ممرد من قوارير ) ، فلما وقفت على سليمان ،
دعاها إلى عبادة الله ، عز وجل ، وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله .
فقالت بقول الزنادقة ، فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت ، وسجد معه الناس ،
فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع ، فلما رفع سليمان رأسه قال : ويحك ! ماذا قلت ؟ - قال :
وأنسيت ما قالت فقالت : ( رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) ، فأسلمت وحسن إسلامها .وقد روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في هذا أثرا غريبا عن ابن عباس ،
قال : حدثنا الحسين بن علي ، عن زائدة ،
حدثني عطاء بن السائب ، حدثنا مجاهد ، ونحن في الأزد - قال :
حدثنا ابن عباس قال : كان سليمان ، عليه السلام ،
يجلس على سريره ، ثم توضع كراسي حوله ، فيجلس عليها الإنس ،
ثم يجلس الجن ، ثم الشياطين ، ثم تأتي الريح فترفعهم ،
ثم تظلهم الطير ، ثم يغدون قدر ما يشتهي الراكب أن ينزل شهرا ورواحها شهرا ، قال :
فبينما هو ذات يوم في مسير له ، إذ تفقد الطير ففقد الهدهد فقال : ( ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ) ،
قال : فكان عذابه إياه أن ينتفه ، ثم يلقيه في الأرض ،
فلا يمتنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض .قال عطاء : وذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل حديث مجاهد ( فمكث غير بعيد ) - فقرأ حتى انتهى إلى قوله - ( قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا ) وكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، إلى بلقيس :
( ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ) ، فلما ألقى الهدهد بالكتاب إليها ، ألقي في روعها :
إنه كتاب كريم ، وإنه من سليمان ، وأن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين .
قالوا : نحن أولو قوة . قالت :
إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ، وإني مرسلة إليهم بهدية . فلما جاءت الهدية سليمان قال :
أتمدونني بمال ، ارجع إليهم . فلما نظر إلى الغبار - أخبرنا ابن عباس قال :
وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة ، قال عطاء : ومجاهد حينئذ في الأزد - قال سليمان :
أيكم يأتيني بعرشها ؟ قال : وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين ، ( قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ) .
قال : وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس ، كما يجلس الأمراء ثم يقوم - قال :
( أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ) . قال سليمان : أريد أعجل من ذلك .
فقال الذي عنده علم من الكتاب : أنا أنظر في كتاب ربي ، ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك .
قال : [ فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره ] ، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان ،
من تحت كرسي كان سليمان يضع عليه رجله ، ثم يصعد إلى السرير . قال :
فلما رأى سليمان عرشها [ مستقرا عنده ] قال : ( هذا من فضل ربي ) ، ( قال نكروا لها عرشها ) ،
فلما جاءت قيل لها : أهكذا عرشك ؟ قالت : كأنه هو .
قال : فسألته عن أمرين ، قالت لسليمان :
أريد ماء [ من زبد رواء ] ليس من أرض ولا من سماء - وكان سليمان إذا سئل عن شيء ، سأل الإنس ثم الجن ثم الشياطين . [ قال ] فقالت الشياطين :
هذا هين ، أجر الخيل ثم خذ عرقها ، ثم املأ منه الآنية .
قال : فأمر بالخيل فأجريت ، ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية .
قال : وسألت عن لون الله عز وجل . قال :
فوثب سليمان عن سريره ، فخر ساجدا ، فقال :
يا رب ، لقد سألتني عن أمر إنه يتكايد ، أي :
يتعاظم في قلبي أن أذكره لك . قال : ارجع فقد كفيتكهم ،
قال : فرجع إلى سريره فقال : ما سألت عنه ؟ قالت :
ما سألتك إلا عن الماء . فقال لجنوده : ما سألت عنه ؟ فقالوا :
ما سألتك إلا عن الماء . قال : ونسوه كلهم .
قال : وقالت الشياطين لسليمان : تريد أن تتخذها لنفسك ،
فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينهما ولد ، لم ننفك من عبوديته . قال :
فجعلوا صرحا ممردا من قوارير ، فيه السمك . قال :
فقيل لها : ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة ، وكشفت عن ساقيها ،
فإذا هي شعراء . فقال سليمان : هذا قبيح ،
ما يذهبه ؟ فقالوا : تذهبه المواسي . فقال :
أثر الموسى قبيح ! قال : فجعلت الشياطين النورة . قال :
فهو أول من جعلت له النورة .ثم قال أبو بكر بن أبي شيبة : ما أحسنه من حديث .قلت : بل هو منكر غريب جدا ،
ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس ، والله أعلم . والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب ،
مما يوجد في صحفهم ، كروايات كعب ووهب - سامحهما الله تعالى - فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل ، من الأوابد والغرائب والعجائب ،
مما كان وما لم يكن ، ومما حرف وبدل ونسخ . وقد أغنانا الله ،
سبحانه ، عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ، ولله الحمد والمنة .أصل الصرح في كلام العرب :
هو القصر ، وكل بناء مرتفع ، قال الله ،
سبحانه وتعالى ، إخبارا عن فرعون - لعنه الله - أنه قال لوزيره هامان ( ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى ) الآية [ غافر : 36 ،
37 ] . والصرح : قصر في اليمن عالي البناء ،
والممرد أي : المبني بناء محكما أملس ( من قوارير ) أي : زجاج .
وتمريد البناء تمليسه . ومارد : حصن بدومة الجندل .والغرض أن سليمان ،
عليه السلام ، اتخذ قصرا عظيما منيفا من زجاج لهذه الملكة ; ليريها عظمة سلطانه وتمكنه ، فلما رأت ما آتاه الله ،
تعالى ، وجلالة ما هو فيه ، وتبصرت في أمره انقادت لأمر الله وعرفت أنه نبي كريم ،
وملك عظيم ، فأسلمت لله ، عز وجل ،
وقالت : ( رب إني ظلمت نفسي ) أي : بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها الشمس من دون الله ،
( وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) أي : متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده ، لا شريك له ،
الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا .