العودة للسورة الفرقان

تفسير سورة الفرقان - الآية 65

السورة 25
الآية 65
77 آيات
65

وَٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا

التفاسير العلمية(8)

|

والذين هم مع اجتهادهم في العبادة يخافون الله فيدعونه أن ينجيهم من عذاب جهنم، إن عذابها يلازم صاحبه. إن جهنم شر قرار وإقامة.

«والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إنَّ عذابها كان غراما» أي لازما.

وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ أي: ادفعه عنا بالعصمة من أسبابه ومغفرة ما وقع منا مما هو مقتض للعذاب. إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا أي:

ملازما لأهلها بمنزلة ملازمة الغريم لغريمه.

ولهذا قال : ( والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ) أي : ملازما دائما ،

كما قال الشاعر :إن يعذب يكن غراما ، وإن يع ط جزيلا فإنه لا يباليولهذا قال الحسن في قوله : ( إن عذابها كان غراما ) :

كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه فليس بغرام ، وإنما الغرام اللازم ما دامت السماوات والأرض . وكذا قال سليمان التيمي .وقال محمد بن كعب [ القرظي ] :

( إن عذابها كان غراما ) يعني : ما نعموا في الدنيا; إن الله سأل الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه ، فأغرمهم فأدخلهم النار .

ثم حكى- سبحانه- جانبا من دعائهم إياه. وخوفهم من عقابه، فقال:

وَالَّذِينَ يَقُولُونَ أى: في عامة أحوالهم، يا رَبَّنَا بفضلك وإحسانك اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ بأن تبعده عنا وتبعدنا عنه.إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً أى:

إن عذابها كان لازما دائما غير مفارق، منه سمى الغريم غريما لملازمته لغريمه، ويقال:

فلان مغرم بكذا، إذا كان ملازما لمحبته والتعلق به.

قوله - عز وجل - : ( والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ) أي : ملحا دائما ،

لازما غير مفارق من عذب به من الكفار ، ومنه سمي الغريم لطلبه حقه وإلحاحه على صاحبه وملازمته إياه . قال محمد بن كعب القرظي :

سأل الله الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوا فأغرمهم فيه ، فبقوا في النار . قال الحسن :

كل غريم يفارق غريمه إلا جهنم . و " الغرام " : الشر اللازم ،

وقيل : " غراما " هلاكا .

قوله تعالى : والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماقوله تعالى : والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم أي هم مع طاعتهم مشفقون خائفون وجلون من عذاب الله .

ابن عباس : يقولون ذلك في سجودهم وقيامهم . إن عذابها كان غراما أي لازما دائما غير مفارق .

ومنه سمي الغريم لملازمته . ويقال : فلان مغرم بكذا أي لازم له مولع به .

وهذا معناه في كلام العرب فيما ذكر ابن الأعرابي وابن عرفة وغيرهما . وقال الأعشى :إن يعاقب يكن غراما وإن يعط جزيلا فإنه لا يباليوقال الحسن : قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم .

وقال الزجاج : الغرام أشد العذاب . وقال ابن زيد :

الغرام الشر . وقال أبو عبيدة : الهلاك .

والمعنى واحد . وقال محمد بن كعب : طالبهم الله تعالى بثمن النعيم في الدنيا فلم يأتوا به ،

فأغرمهم ثمنها بإدخالهم النار .

( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ) يقول تعالى ذكره: والذين يدعون الله أن يصرف عنهم عقابه وعذابه حذرا منه ووجلا . وقوله:

( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) يقول: إن عذاب جهنم كان غراما ملحا دائما لازما غير مفارق من عذِّب به من الكفار, ومهلكا له. ومنه قولهم:

رجل مُغْرم, من الغُرْم والدَّين. ومنه قيل للغريم غَريم لطلبه حقه, وإلحاحه على صاحبه فيه. ومنه قيل للرجل المولع للنساء:

إنه لمغرَم بالنساء, وفلان مغرَم بفلان: إذا لم يصبر عنه; ومنه قول الأعشى:إنْ يُعَاقِب يَكُنْ غَرَاما وَإِنْ يُعْطِ جَزِيلا فَإِنَّهُ لا يبالي (5)يقول: إن يعاقب يكن عقابه عقابا لازما, لا يفارق صاحبه مهلكا له،

وقول بشر بن أبي خازم:وَيوْمَ النِّسارِ وَيَوْمَ الجِفارِ كَانَ عِقَابًا وَكَانَ غَرَاما (6)وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني علي بن الحسن اللاني, قال: أخبرنا المعافي بن عمران الموصلي, عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب في قوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) قال:

إن الله سأل الكفار عن نعمه, فلم يردّوها إليه, فأغرمهم, فأدخلهم النار.قال: ثنا المعافي, عن أبي الأشهب, عن الحسن, في قوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) قال:

قد علموا أن كلّ غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله:

( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) قال: الغرام: الشرّ.حدثنا القاسم, قال:

ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) قال:

لا يفارقه.------------------------الهوامش :(5) البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة ( ديوانه طبع القاهرة ، بشرح الدكتور محمد حسين ، ص 9 ) وهو من قصيدة يمدح بها الأسود بن المنذر اللخمي ،

وأولها ما بكاء الكبير بالأطلالوالغرام الشر الدائم ، ومنه قوله تعالى إن عذابها كان غرامًا أي هلاكًا ولزامًا لهم . يقول :

إن عاقب كان غرامًا ، وإن أعطى لم يبال العذال.(6) البيت لبشر بن أبي خازم كما قال المؤلف . وفي اللسان نسبه للطرماح .

قال : والغرام : اللازم من العذاب ،

والشر الدائم ، والبلاء ، والحب ،

والعشق ، وما لا يستطاع أن يتفصى منه ، وقال الزجاج :

هو أشد العذاب في اللغة . قال الله عز وجل : إن عذابها كان غرامًا ،

وقال الطرماح : " ويوم النسار .. .

" البيت . وقوله عز وجل : إن عذابها كان غرامًا :

أي ملحًا دائمًا ملازمًا . وفي معجم ما استعجم للبكري (طبعة القاهرة ص 385) الجفار : بكسر أوله ،

وبالراء المهملة : موضع بنجد ، وهو الذي عنى بشر بن أبي خازم بقوله :

" ويوم الجفار .. . " البيت .

وقال أبو عبيدة : الجفار : في بلاد بني تميم .

وقال البكري في رسم النسار : النسار ، بكسر أوله :

على لفظ الجمع ، وهي أجبل صغار ، شبهت بأنسر واقعة ،

وذكر ذلك أبو حاتم . وقال في موضع آخر : هي ثلاث قارات سود ،

تسمى الأنسر . وهناك أوقعت طيئ وأسد وغطفان ، وهم حلفاء لبني عامر وبني تميم ،

ففرت تميم ، وثبتت بنو عامر ، فقتلوهم قتلا شديدًا ؛

فغضبت بنو تميم لبني عامر ، فتجمعوا ولقوهم يوم الجفار ، فلقيت أشد مما لقيت بنو عامر ،

فقال بشر ابن أبي خازم :غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ تُقْتَّلَ عَامِريَوْمَ النِّسَارِ فَأُعْقِبُوا بِالصَّيْلَمِقلت : الصيلم : الداهية المستأصلة .

وفي رواية : فأعتبوا