قوله تعالى : ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ( أنفسهم ) بالرفع على البدل . ويجوز النصب على الاستثناء ،
وعلى خبر يكن . ( فشهادة أحدهم أربع شهادات ) بالرفع قراءة الكوفيين على الابتداء والخبر ؛ أي فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حد القذف أربع شهادات .
وقرأ أهل المدينة ، وأبو عمرو ( أربع ) بالنصب ؛ لأن معنى فشهادة أن يشهد ؛
والتقدير : فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات ، أو فالأمر أن يشهد أحدهم أربع شهادات ؛
ولا خلاف في الثاني أنه منصوب بالشهادة . والخامسة رفع بالابتداء . والخبر ( أن ) وصلتها ؛
ومعنى المخففة كمعنى المثقلة لأن معناها أنه . وقرأ أبو عبد الرحمن ، وطلحة ،
وعاصم في رواية حفص ( والخامسة ) بالنصب ، بمعنى وتشهد الشهادة الخامسة . الباقون بالرفع على الابتداء ،
والخبر في أن لعنة الله عليه ؛ أي والشهادة الخامسة قوله لعنة الله عليه .في سبب نزولها ، وهو ما رواه أبو داود ،
عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بشريك بن سحماء ؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : البينة أو حد في ظهرك قال :
يا رسول الله ، إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته يلتمس البينة ! فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : البينة وإلا حد في ظهرك فقال هلال :
والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد ؛ فنزلت والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فقرأ حتى بلغ من الصادقين الحديث بكماله .
وقيل : لما نزلت الآية المتقدمة في الذين يرمون المحصنات وتناول ظاهرها الأزواج وغيرهم قال سعد بن معاذ : يا رسول الله ،
إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة ! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني .
وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة ، هذا نحو معناها . ثم جاء من بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك بن سحماء البلوي على ما ذكرنا ،
وعزم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ضربه حد القذف ؛ فنزلت هذه الآية عند ذلك ، فجمعهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد وتلاعنا ،
فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت ، وقيل : إنها موجبة ؛
ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم ؛ فالتعنت ،
وفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما ، وولدت غلاما كأنه جمل أورق - على النعت المكروه - ثم كان الغلام بعد ذلك أميرا بمصر ، وهو لا يعرف لنفسه أبا .
وجاء أيضا عويمر العجلاني فرمى امرأته ولاعن . والمشهور أن نازلة هلال كانت قبل ، وأنها سبب الآية .
وقيل : نازلة عويمر بن أشقر كانت قبل ؛ وهو حديث صحيح مشهور خرجه الأئمة قال أبو عبد الله بن أبي صفرة :
الصحيح أن القاذف لزوجه عويمر ، وهلال بن أمية خطأ . قال الطبري يستنكر قوله في الحديث هلال بن أمية :
وإنما القاذف عويمر بن زيد بن الجد بن العجلاني ، شهد أحدا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، رماها بشريك بن السحماء ،
والسحماء أمه ؛ قيل لها ذلك لسوادها ، وهو ابن عبدة بن الجد بن العجلاني ؛
كذلك كان يقول أهل الأخبار . وقيل : قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - على الناس في الخطبة يوم الجمعة والذين يرمون المحصنات فقال عاصم بن عدي الأنصاري :
جعلني الله فداك ! لو أن رجلا منا وجد على بطن امرأته رجلا ؛ فتكلم فأخبر بما جرى جلد ثمانين ، وسماه المسلمون فاسقا فلا تقبل شهادته ؛
فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء ، وإلى أن يلتمس أربعة شهود فقد فرغ الرجل من حاجته ! فقال : عليه السلام - :
كذلك أنزلت يا عاصم بن عدي . فخرج عاصم سامعا مطيعا ؛ فاستقبله هلال بن أمية يسترجع ؛
فقال : ما وراءك ؟ فقال : شر ،
وجدت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة يزني بها ؛ وخولة هذه بنت عاصم بن عدي ، كذا في هذا الطريق أن الذي وجد مع امرأته شريكا هو هلال بن أمية ،
والصحيح خلافه حسبما تقدم بيانه . قال الكلبي : والأظهر أن الذي وجد مع امرأته شريكا عويمر العجلاني ؛
لكثرة ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين العجلاني وامرأته . واتفقوا على أن هذا الزاني هو شريك بن عبدة وأمه السحماء ، وكان عويمر وخولة بنت قيس وشريك بني عم عاصم ،
وكانت هذه القصة في شعبان سنة تسع من الهجرة ، منصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك إلى المدينة ؛ قال الطبري .
وروى الدارقطني عن عبد الله بن جعفر قال : حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته ، مرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك ،
وأنكر حملها الذي في بطنها وقال هو لابن السحماء ؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هات امرأتك فقد نزل القرآن فيكما ؛
فلاعن بينهما بعد العصر عند المنبر على خمل . في طريقه الواقدي ، عن الضحاك بن عثمان ،
عن عمران بن أبي أنس قال : سمعت عبد الله بن جعفر يقول . .
. فذكره .قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم عام في كل رمي ،
سواء قال : زنيت ، أو يا زانية ،
أو رأيتها تزني ، أو هذا الولد ليس مني ؛ فإن الآية مشتملة عليه .
ويجب اللعان إن لم يأت بأربعة شهداء ؛ وهذا قول جمهور العلماء ، وعامة الفقهاء ،
وجماعة أهل الحديث . وقد روي عن مالك مثل ذلك . وكان مالك يقول :
لا يلاعن إلا أن يقول : رأيتك تزني ؛ أو ينفي حملا أو ولدا منها .
وقول أبي الزناد ، ويحيى بن سعيد ، والبتي مثل قول مالك :
إن الملاعنة لا تجب بالقذف ، وإنما تجب بالرؤية ، أو نفي الحمل مع دعوى الاستبراء ؛
هذا هو المشهور عند مالك ، وقاله ابن القاسم . والصحيح الأول لعموم قوله :
والذين يرمون أزواجهم . قال ابن العربي : وظاهر القرآن يكفي لإيجاب اللعان بمجرد القذف من غير رؤية ؛
فلتعولوا عليه ، لا سيما وفي الحديث الصحيح : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :
فاذهب فأت بها ولم يكلفه ذكر الرؤية . وأجمعوا أن الأعمى يلاعن إذا قذف امرأته . ولو كانت الرؤية من شرط اللعان ما لاعن الأعمى ؛
قاله ابن عمر - رضي الله عنهم - . وقد ذكر ابن القصار ، عن مالك أن لعان الأعمى لا يصح إلا أن يقول :
لمست فرجه في فرجها . والحجة لمالك ، ومن اتبعه ما رواه أبو داود ،
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ، فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا ،
فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يهجه حتى أصبح ، ثم غدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ،
إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندهم رجلا ، فرأيت بعيني وسمعت بأذني ؛ فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جاء به واشتد عليه ؛
فنزلت والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم الآية ؛ وذكر الحديث . وهو نص على أن الملاعنة التي قضى فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كانت في الرؤية ،
فلا يجب أن يتعدى ذلك . ومن قذف امرأته ولم يذكر رؤية حد ؛ لعموم قوله تعالى :
والذين يرمون المحصنات .إذا نفى الحمل فإنه يلتعن ؛ لأنه أقوى من الرؤية ولا بد من ذكر عدم الوطء والاستبراء بعده . واختلف علماؤنا في الاستبراء ؛
فقال المغيرة ومالك في أحد قوليهما : يجزي في ذلك حيضة . وقال مالك أيضا :
لا ينفيه إلا بثلاث حيض . والصحيح الأول ؛ لأن براءة الرحم من الشغل يقع بها كما في استبراء الأمة ،
وإنما راعينا الثلاث حيض في العدد لحكم آخر يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى . وحكى اللخمي ، عن مالك أنه قال مرة :
لا ينفى الولد بالاستبراء ؛ لأن الحيض يأتي على الحمل . وبه قال أشهب في كتاب ابن المواز ،
وقاله المغيرة . وقال : لا ينفى الولد إلا بخمس سنين لأنه أكثر مدة الحمل على ما تقدم .اللعان عندنا يكون في كل زوجين حرين كانا أو عبدين ،
مؤمنين ، أو كافرين ، فاسقين ،
أو عدلين . وبه قال الشافعي . ولا لعان بين الرجل وأمته ،
ولا بينه وبين أم ولده . وقيل : لا ينتفي ولد الأمة عنه إلا بيمين واحدة ؛
بخلاف اللعان . وقد قيل : إنه إذا نفى ولد أم الولد لاعن .
والأول تحصيل مذهب مالك وهو الصواب . وقال أبو حنيفة : لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين ؛
وذلك لأن اللعان عنده شهادة ، وعندنا وعند الشافعي يمين ، فكل من صحت يمينه صح قذفه ولعانه .
واتفقوا على أنه لا بد أن يكونا مكلفين . وفي قوله : وجد مع امرأته رجلا دليل على أن الملاعنة تجب على كل زوجين ؛
لأنه لم يخص رجلا من رجل ولا امرأة من امرأة ، ونزلت آية اللعان على هذا الجواب فقال : والذين يرمون أزواجهم ولم يخص زوجا من زوج .
وإلى هذا ذهب مالك ، وأهل المدينة ؛ وهو قول الشافعي ،
وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ،
وأبي ثور . وأيضا فإن اللعان يوجب فسخ النكاح فأشبه الطلاق ؛ فكل من يجوز طلاقه يجوز لعانه .
واللعان أيمان لا شهادات ؛ قال الله تعالى وهو أصدق القائلين : لشهادتنا أحق من شهادتهما أي أيماننا .
وقال تعالى : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله . ثم قال تعالى :
اتخذوا أيمانهم جنة . وقال : عليه السلام - :
لولا الأيمان لكان لي ولها شأن . وأما ما احتج به الثوري ، وأبو حنيفة فهي حجج لا تقوم على ساق ؛
منها حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عمرو قال :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أربعة ليس بينهم لعان ، ليس بين الحر والأمة لعان ،
وليس بين الحرة والعبد لعان ، وليس بين المسلم واليهودية لعان ، وليس بين المسلم والنصرانية لعان ) .
أخرجه الدارقطني من طرق ضعفها كلها . وروي عن الأوزاعي ، وابن جريج وهما إمامان ،
عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قوله ،
ولم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . واحتجوا من جهة النظر أن الأزواج لما استثنوا من جملة الشهداء بقوله : ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم وجب ألا يلاعن إلا من تجوز شهادته .
وأيضا فلو كانت يمينا ما رددت ، والحكمة في ترديدها قيامها في الأعداد مقام الشهود في الزنا . قلنا :
هذا يبطل بيمين القسامة فإنها تكرر ، وليست بشهادة إجماعا ؛ والحكمة في تكرارها التغليظ في الفروج والدماء .
قال ابن العربي : والفيصل في أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب ، وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة أن شاهدا يشهد لنفسه بما يوجب حكما على غيره ! هذا بعيد في الأصل معدوم في النظر .واختلف العلماء في ملاعنة الأخرس ؛
فقال مالك ، والشافعي : يلاعن ؛
لأنه ممن يصح طلاقه ، وظهاره ، وإيلاؤه ،
إذا فهم ذلك عنه . وقال أبو حنيفة : لا يلاعن ؛
لأنه ليس من أهل الشهادة ، ولأنه قد ينطق بلسانه فينكر اللعان ، فلا يمكننا إقامة الحد عليه .
وقد تقدم هذا المعنى في سورة ( مريم ) ، والدليل عليه ، والحمد لله .قال ابن العربي :
رأى أبو حنيفة عموم الآية ، فقال : إن الرجل إذا قذف زوجته بالزنا قبل أن يتزوجها فإنه يلاعن ؛
ونسي أن ذلك قد تضمنه قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات وهذا رماها محصنة غير زوجة ؛ وإنما يكون اللعان في قذف يلحق فيه النسب ،
وهذا قذف لا يلحق فيه نسب فلا يوجب لعانا ، كما لو قذف أجنبية .إذا قذفها بعد الطلاق نظرت ؛ فإن كان هنالك نسب يريد أن ينفيه ،
أو حمل يتبرأ منه لاعن وإلا لم يلاعن . وقال عثمان البتي : لا يلاعن بحال لأنها ليست بزوجة .
وقال أبو حنيفة : لا يلاعن في الوجهين ؛ لأنها ليست بزوجة .
وهذا ينتقض عليه بالقذف قبل الزوجية كما ذكرناه آنفا ، بل هذا أولى ؛ لأن النكاح قد تقدم وهو يريد الانتفاء من النسب وتبرئته من ولد يلحق به فلا بد من اللعان .
وإذا لم يكن هنالك حمل يرجى ولا نسب يخاف تعلقه لم يكن للعان فائدة فلم يحكم به ، وكان قذفا مطلقا داخلا تحت عموم قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات الآية ،
فوجب عليه الحد وبطل ما قاله البتي لظهور فساده .لا ملاعنة بين الرجل وزوجته بعد انقضاء العدة إلا في مسألة واحدة ، وهي أن يكون الرجل غائبا فتأتي امرأته بولد في مغيبه وهو لا يعلم فيطلقها فتنقضي عدتها ، ثم يقدم فينفيه فله أن يلاعنها هاهنا بعد العدة .
وكذلك لو قدم بعد وفاتها ونفى الولد لاعن لنفسه وهي ميتة بعد مدة من العدة ، ويرثها لأنها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما .إذا انتفى من الحمل ، ووقع ذلك بشرطه لاعن قبل الوضع ؛
وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : لا يلاعن إلا بعد أن تضع ،
لأنه يحتمل أن يكون ريحا ، أو داء من الأدواء . ودليلنا النص الصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لاعن قبل الوضع ،
وقال : إن جاءت به كذا فهو لأبيه وإن جاءت به كذا فهو لفلان فجاءت به على النعت المكروه .إذا قذف بالوطء في الدبر لزوجه لاعن . وقال أبو حنيفة :
لا يلاعن ؛ وبناه على أصله في أن اللواط لا يوجب الحد . وهذا فاسد ؛
لأن الرمي به فيه معرة وقد دخل تحت عموم قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم وقد تقدم في ( الأعراف ) و ( المؤمنون ) أنه يجب به الحد .قال ابن العربي : من غريب أمر هذا الرجل أنه قال إذا قذف زوجته وأمها بالزنا :
إنه إن حد للأم سقط حد البنت ، وإن لاعن للبنت لم يسقط حد الأم ؛ وهذا لا وجه له ،
وما رأيت لهم فيه شيئا يحكى ، وهذا باطل جدا ؛ فإنه خص عموم الآية في البنت وهي زوجة بحد الأم من غير أثر ولا أصل قاسه عليه .إذا قذف زوجته ،
ثم زنت قبل التعانه فلا حد ولا لعان . وبهذا قال أبو حنيفة ، والشافعي ،
وأكثر أهل العلم . وقال الثوري ، والمزني :
لا يسقط الحد عن القاذف ، وزنا المقذوف بعد أن قذف لا يقدح في حصانته المتقدمة ، ولا يرفعها ؛
لأن الاعتبار الحصانة والعفة في حال القذف لا بعده . كما لو قذف مسلما فارتد المقذوف بعد القذف وقبل أن يحد القاذف لم يسقط الحد عنه . وأيضا فإن الحدود كلها معتبرة بوقت الوجوب لا وقت الإقامة .
ودليلنا هو أنه قد ظهر قبل استيفاء اللعان والحد معنى لو كان موجودا في الابتداء منع صحة اللعان ووجوب الحد ، فكذلك إذا طرأ في الثاني ؛ كما إذا شهد شاهدان ظاهرهما العدالة فلم يحكم الحاكم بشهادتهما حتى ظهر فسقهما بأن زنيا أو شربا خمرا فلم يجز للحاكم أن يحكم بشهادتهما تلك .
وأيضا فإن الحكم بالعفة والإحصان يؤخذ من طريق الظاهر لا من حيث القطع واليقين ، وقد قال : عليه السلام - :
ظهر المؤمن حمى ؛ فلا يحد القاذف إلا بدليل قاطع ، وبالله التوفيق .من قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا ؛
هو لدفع الحد ، وهي لدرء العذاب . فإن كانت صغيرة لا تحمل لاعن هو لدفع الحد ولم تلاعن هي لأنها لو أقرت لم يلزمها شيء .
وقال ابن الماجشون : لا حد على قاذف من لم تبلغ . قال اللخمي :
فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل .إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا أحدهم زوجها فإن الزوج يلاعن وتحد الشهود الثلاثة ؛ وهو أحد قولي الشافعي . والقول الثاني أنهم لا يحدون .
وقال أبو حنيفة : إذا شهد الزوج والثلاثة ابتداء قبلت شهادتهم وحدت المرأة . ودليلنا قوله تعالى :
والذين يرمون المحصنات الآية . فأخبر أن من قذف محصنا ولم يأت بأربعة شهداء حد ؛ فظاهره يقتضي أن يأتي بأربعة شهداء سوى الرامي ،
والزوج رام لزوجته فخرج عن أن يكون أحد الشهود ، والله أعلم .إذا ظهر بامرأته حمل فترك أن ينفيه لم يكن له نفيه بعد سكوته . وقال شريح ،
ومجاهد : له أن ينفيه أبدا . وهذا خطأ ؛
لأن سكوته بعد العلم به رضا به ؛ كما لو أقر به ثم ينفيه فإنه لا يقبل منه ، والله أعلم .فإن أخر ذلك إلى أن وضعت وقال :
رجوت أن يكون ريحا يفش أو تسقطه فأستريح من القذف ؛ فهل لنفيه بعد وضعه مدة ما فإذا تجاوزها لم يكن له ذلك ؛ فقد اختلف في ذلك ،
فنحن نقول : إذا لم يكن له عذر في سكوته حتى مضت ثلاثة أيام فهو راض به ليس له نفيه ؛ وبهذا قال الشافعي .
وقال أيضا : متى أمكنه نفيه على ما جرت به العادة من تمكنه من الحاكم فلم يفعل لم يكن له نفيه من بعد ذلك . وقال أبو حنيفة :
لا أعتبر مدة . وقال أبو يوسف ، ومحمد :
يعتبر فيه أربعون يوما مدة النفاس . قال ابن القصار : والدليل لقولنا هو أن نفي ولده محرم عليه ،
واستلحاق ولد ليس منه محرم عليه ، فلا بد أن يوسع عليه لكي ينظر فيه ويفكر ، هل يجوز له نفيه أو لا .
وإنما جعلنا الحد ثلاثة لأنه أول حد الكثرة ، وآخر حد القلة ، وقد جعلت ثلاثة أيام يختبر بها حال المصراة ؛
فكذلك ينبغي أن يكون هنا . وأما أبو يوسف ، ومحمد فليس اعتبارهم بأولى من اعتبار مدة الولادة والرضاع ؛
إذ لا شاهد لهم في الشريعة ، وقد ذكرنا نحن شاهدا في الشريعة من مدة المصراة .قال ابن القصار : إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي يا زانيه - بالهاء - وكذلك الأجنبي لأجنبي ،
فلست أعرف فيه نصا لأصحابنا ، ولكنه عندي يكون قذفا وعلى قائله الحد ، وقد زاد حرفا ،
وبه قال الشافعي ، ومحمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة ،
وأبو يوسف : لا يكون قذفا . واتفقوا أنه إذا قال لامرأته يا زان أنه قذف .
والدليل على أنه يكون في الرجل قذفا هو أن الخطاب إذا فهم منه معناه ثبت حكمه ، سواء كان بلفظ أعجمي ، أو عربي .
ألا ترى أنه إذا قال للمرأة زنيت ( بفتح التاء ) كان قذفا ؛ لأن معناه يفهم منه ، ولأبي حنيفة ،
وأبي يوسف أنه لما جاز أن يخاطب المؤنث بخطاب المذكر لقوله تعالى : وقال نسوة صلح أن يكون قوله يا زان للمؤنث قذفا . ولما لم يجز أن يؤنث فعل المذكر إذا تقدم عليه لم يكن لخطابه بالمؤنث حكم ،
والله أعلم .يلاعن في النكاح الفاسد زوجته لأنها صارت فراشا ويلحق النسب فيه فجرى اللعان عليه .اختلفوا في الزوج إذا أبى من الالتعان ؛ فقال أبو حنيفة : لا حد عليه ؛
لأن الله تعالى جعل على الأجنبي الحد وعلى الزوج اللعان ، فلما لم ينتقل اللعان إلى الأجنبي لم ينتقل الحد إلى الزوج ، ويسجن أبدا حتى يلاعن لأن الحدود لا تؤخر قياسا .
وقال مالك ، والشافعي ، وجمهور الفقهاء :
إن لم يلتعن الزوج حد ؛ لأن اللعان له براءة كالشهود للأجنبي ، فإن لم يأت الأجنبي بأربعة شهداء حد ،
فكذلك الزوج إن لم يلتعن . وفي حديث العجلاني ما يدل على هذا ؛ لقوله :
إن سكت سكت على غيظ ، وإن قتلت قتلت ، وإن نطقت جلدت .واختلفوا أيضا هل للزوج أن يلاعن مع شهوده ؛
فقال مالك ، والشافعي : يلاعن كان له شهود ،
أو لم يكن ؛ لأن الشهود ليس لهم عمل في غير درء الحد ، وأما رفع الفراش ،
ونفي الولد فلا بد فيه من اللعان . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه :
إنما جعل اللعان للزوج إذا لم يكن له شهود غير نفسه ؛ لقوله تعالى : ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم .البداءة في اللعان بما بدأ الله به ،
وهو الزوج ؛ وفائدته درء الحد عنه ونفي النسب منه ؛ لقوله - عليه السلام - :
البينة وإلا حد في ظهرك . ولو بدئ بالمرأة قبله لم يجز لأنه عكس ما رتبه الله تعالى . وقال أبو حنيفة :
يجزى . وهذا باطل ؛ لأنه خلاف القرآن ،
وليس له أصل يرده إليه ، ولا معنى يقوى به ، بل المعنى لنا ؛
لأن المرأة إذا بدأت باللعان فتنفي ما لم يثبت وهذا لا وجه له .وكيفية اللعان أن يقول الحاكم للملاعن : قل أشهد بالله لرأيتها تزني ورأيت فرج الزاني في فرجها كالمرود في المكحلة وما وطئتها بعد رؤيتي . وإن شئت قلت :
لقد زنت وما وطئتها بعد زناها . يردد ما شاء من هذين اللفظين أربع مرات ، فإن نكل عن هذه الأيمان ،
أو عن شيء منها حد . وإذا نفى حملا قال : أشهد بالله لقد استبرأتها وما وطئتها بعد ،
وما هذا الحمل مني ، ويشير إليه ؛ فيحلف بذلك أربع مرات ،
ويقول في كل يمين منها : وإني لمن الصادقين في قولي هذا عليها . ثم يقول في الخامسة :
علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين ، وإن شاء قال : إن كنت كاذبا فيما ذكرت عنها .
فإذا قال ذلك سقط عنه الحد وانتفى عنه الولد . فإذا فرغ الرجل من التعانه قامت المرأة بعده فحلفت بالله أربعة أيمان ، تقول فيها :
أشهد بالله إنه لكاذب ، أو إنه لمن الكاذبين فيما ادعاه علي وذكر عني . وإن كانت حاملا قالت :
وإن حملي هذا منه . ثم تقول في الخامسة : وعلي غضب الله إن كان صادقا ،
أو إن كان من الصادقين في قوله ذلك . ومن أوجب اللعان بالقذف يقول في كل شهادة من الأربع : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة من الزنا .
ويقول في الخامسة : علي لعنة الله إن كنت كاذبا فيما رميت به من الزنا . وتقول هي :
أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنا . وتقول في الخامسة : علي غضب الله إن كان صادقا فيما رماني به من الزنا .
وقال الشافعي : يقول الملاعن أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجي فلانة بنت فلان ، ويشير إليها إن كانت حاضرة ،
يقول ذلك أربع مرات ، ثم يوعظه الإمام ، ويذكره الله تعالى ،
ويقول : إني أخاف إن لم تكن صدقت أن تبوء بلعنة الله ؛ فإن رآه يريد أن يمضي على ذلك أمر من يضع يده على فيه ،
ويقول : إن قولك وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين موجبا ؛ فإن أبى تركه يقول ذلك :
لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة من الزنا . احتج بما رواه أبو داود ، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلا حيث أمر المتلاعنين أن يضع يده على فيه عند الخامسة يقول :
إنها موجبة .