فاتركهم - أيها الرسول - في ضلالتهم وجهلهم بالحق إلى أن ينزل العذاب بهم.
تفسير سورة المؤمنون - الآية 54
فَذَرۡهُمۡ فِی غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِینٍ
التفاسير العلمية(8)
«فذرهم» اترك كفار مكة «في غمرتهم» ضلالتهم «حتى حين» إلى حين موتهم.
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ أي: في وسط جهلهم بالحق، ودعواهم أنهم هم المحقون.
حَتَّى حِينٍ أي: إلى أن ينزل العذاب بهم، فإنهم لا ينفع فيهم وعظ،
ولا يفيدهم زجر، وكيف يفيد من يزعم أنه على الحق، ويطمع في دعوة غيره إلى ما هو عليه؟.
ولهذا قال متهددا لهم ومتواعدا : ( فذرهم في غمرتهم ) أي : في غيهم وضلالهم ) حتى حين ) أي :
إلى حين حينهم وهلاكهم ، كما قال تعالى : ( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) [ الطارق :
17 ] ، وقال تعالى : ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ) [ الحجر :
3 ] .
والخطاب في قوله- تعالى-: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ للرسول صلّى الله عليه وسلّم والضمير المنصوب «هم» للمشركين.والغمرة في الأصل: الماء الذي يغمر القامة ويسترها،
إذ المادة تدل على التغطية والستر.يقال: غمر الماء الأرض إذا غطاها وسترها. ويقال:
هذا رجل غمر- بضم الغين وإسكان الميم- إذا غطاه الجهل وجعله لا تجربة له بالأمور. ويقال: هذا رجل غمر- بكسر الغين- إذا غطى الحقد قلبه والمراد بالغمرة هنا:
الجهالة والضلالة، والمعنى: لقد أديت- أيها الرسول- الرسالة،
ونصحت لقومك. وبلغتهم ما أمرك الله- تعالى- بتبليغه، وعليك الآن أن تترك هؤلاء الجاحدين المعاندين في جهالاتهم وغفلتهم وحيرتهم حَتَّى حِينٍ أى:حتى يأتى الوقت الذي حددناه للفصل في أمرهم بما تقتضيه حكمتنا.وجاء لفظ «حين» بالتنكير،
لتهويل الأمر وتفظيعه.
فذرهم في غمرتهم ) قال ابن عباس : في كفرهم وضلالتهم ، وقيل :
عمايتهم ، وقيل : غفلتهم ( حتى حين ) إلى أن يموتوا .
وهذه الآية مثال لقريش خاطب محمدا - صلى الله عليه وسلم - في شأنهم متصلا بقوله : فذرهم في غمرتهم أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم ، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم ؛
فلكل شيء وقت . والغمرة في اللغة ما يغمرك ويعلوك ؛ وأصله الستر ؛
ومنه الغمر الحقد لأنه يغطي القلب . والغمر الماء الكثير لأنه يغطي الأرض . وغمر الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء ؛
قال :غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المالالمراد هنا الحيرة والغفلة والضلالة . ودخل فلان في غمار الناس ، أي في زحمتهم .
قوله تعالى : حتى حين قال مجاهد : حتى الموت ،
فهو تهديد لا توقيت ؛ كما يقال : سيأتي لك يوم .
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فدع يا محمد هؤلاء الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زبرا،
( فِي غَمْرَتِهِمْ ) في ضلالتهم وغيهم ( حَتَّى حِينٍ ) ، يعني : إلى أجل سيأتيهم عند مجيئه عذابي.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك:حدثنا القاسم،
قال: ثنا الحسين، قال:
ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد:
( فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) قال: في ضلالهم.حدثني يونس، قال:
أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد،
في قوله: ( فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) قال: الغَمْرة:
الغَمْر.