قوله تعالى : الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى :
وجلت قلوبهم أي خافت وحذرت مخالفته . فوصفهم بالخوف والوجل عند ذكره ، وذلك لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم ،
وكأنهم بين يديه ، ووصفهم بالصبر وإقامة الصلاة وإدامتها . وروي أن هذه الآية قوله :
وبشر المخبتين نزلت في أبي بكر ، وعمر ، وعلي رضوان الله عليهم .
وقرأ الجمهور ( الصلاة ) بالخفض على الإضافة ، وقرأ أبو عمرو ( الصلاة ) بالنصب على توهم النون ، وأن حذفها للتخفيف لطول الاسم .
وأنشد سيبويه :الحافظو عورة العشيرة [ لا يأتيهم من ورائنا نطفالثانية : هذه الآية نظير قوله تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ،
وقوله تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله . هذه حالة العارفين بالله ،
الخائفين من سطوته وعقوبته ؛ لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير ، ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير ،
فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع : إنك لم تبلغ أن تساوي حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى ، والخوف منه ،
والتعظيم لجلاله ؛ ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله . وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه ،
ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم ؛ قال الله تعالى : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين .
فهذا وصف حالهم ، وحكاية مقالهم ؛ فمن كان مستنا فليستن ،
ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا ؛ والجنون فنون . روى الصحيح عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أحفوه في المسألة ،
فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال : سلوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين أمر قد حضر . قال أنس :
فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي . وذكر الحديث . وقد مضى القول في هذه المسألة بأشبع من هذا في سورة ( الأنفال ) والحمد لله .