قوله تعالى : ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقيرفيه تسعة عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى :
ليشهدوا أي أذن بالحج يأتوك رجالا وركبانا ليشهدوا ؛ أي ليحضروا . والشهود الحضور .
منافع لهم أي المناسك ، كعرفات والمشعر الحرام . وقيل :
المغفرة . وقيل التجارة . وقيل :
هو عموم ؛ أي ليحضروا منافع لهم ، أي ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة ؛
قال مجاهد ، وعطاء ، واختاره ابن العربي :
فإنه يجمع ذلك كله من نسك ، وتجارة ، ومغفرة ،
ومنفعة دنيا وأخرى . ولا خلاف في أن المراد بقوله : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم التجارة .الثانية :
ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام قد مضى في ( البقرة ) الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات . والمراد بذكر اسم الله ذكر التسمية عند الذبح والنحر ؛ مثل قولك :
باسم الله والله أكبر ، اللهم منك ولك . ومثل قولك عند الذبح إن صلاتي ونسكي الآية .
وكان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم ، فبين الرب أن الواجب الذبح على اسم الله ؛ وقد مضى في ( الأنعام ) .الثالثة :
واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر ؛ فقال مالك - رضي الله عنه - : بعد صلاة الإمام وذبحه ؛
إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء به . وراعى أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح . والشافعي :
دخول وقت الصلاة ومقدار ما توقع فيه مع الخطبتين ؛ فاعتبر الوقت دون الصلاة ، هذه رواية المزني عنه ،
وهو قول الطبري . وذكر الربيع عن البويطي قال : قال الشافعي :
ولا يذبح أحد حتى يذبح الإمام إلا أن يكون ممن لا يذبح ، فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح . وهذا كقول مالك .
وقال أحمد : إذا انصرف الإمام فاذبح . وهو قول إبراهيم .
وأصح هذه الأقوال قول مالك ؛ لحديث جابر بن عبد الله قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر بالمدينة ،
فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نحر ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كان نحر أن يعيد بنحر آخر ، ولا ينحروا حتى ينحر النبي - صلى الله عليه وسلم - خرجه مسلم ،
والترمذي ، وقال : وفي الباب عن جابر ،
وجندب ، وأنس ، وعويمر بن أشقر ،
وابن عمر ، وأبي زيد الأنصاري ، وهذا حديث حسن صحيح ،
والعمل على هذا عند أهل العلم ألا يضحى بالمصر حتى يصلي الإمام . وقد احتج أبو حنيفة بحديث البراء ، وفيه :
ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين . خرجه مسلم أيضا . فعلق الذبح على الصلاة ولم يذكر الذبح ،
وحديث جابر يقيده . وكذلك حديث البراء أيضا ، قال :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا الحديث . وقال أبو عمر بن عبد البر :
لا أعلم خلافا بين العلماء أن من ذبح قبل الصلاة وكان من أهل المصر أنه غير مضح ؛ لقوله - عليه السلام - : من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم .الرابعة :
وأما أهل البوادي ومن لا إمام له فمشهور مذهب مالك يتحرى وقت ذبح الإمام ، أو أقرب الأئمة إليه . وقال ربيعة ،
وعطاء فيمن لا إمام له : إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه ، ويجزيه إن ذبح بعده .
وقال أهل الرأي : يجزيهم من بعد الفجر . وهو قول ابن المبارك ،
ذكره عنه الترمذي . وتمسكوا بقوله تعالى : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ،
فأضاف النحر إلى اليوم . وهل اليوم من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس ، قولان .
ولا خلاف أنه لا يجزي ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر من يوم النحر .الخامسة : واختلفوا كم أيام النحر ؟ فقال مالك : ثلاثة ،
يوم النحر ويومان بعده . وبه قال أبو حنيفة ، والثوري ،
وأحمد بن حنبل ، وروي ذلك عن أبي هريرة ، وأنس بن مالك من غير اختلاف عنهما .
وقال الشافعي : أربعة ، يوم النحر وثلاثة بعده .
وبه قال الأوزاعي ، وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه - وابن عباس ، وابن عمر - رضي الله عنهم - ،
وروي عنهم أيضا مثل قول مالك ، وأحمد . وقيل :
هو يوم النحر خاصة وهو العاشر من ذي الحجة ؛ وروي عن ابن سيرين ، وعن سعيد بن جبير ،
وجابر بن زيد أنهما قالا : النحر في الأمصار يوم واحد وفي منى ثلاثة أيام . وعن الحسن البصري في ذلك ثلاث روايات :
إحداها كما قال مالك ، والثانية كما قال الشافعي ، والثالثة إلى آخر يوم من ذي الحجة ؛
فإذا أهل هلال المحرم فلا أضحى .قلت : وهو قول سليمان بن يسار ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ،
ورويا حديثا مرسلا مرفوعا خرجه الدارقطني : الضحايا إلى هلال ذي الحجة ؛ ولم يصح ،
ودليلنا قوله تعالى : في أيام معلومات الآية ، وهذا جمع قلة ؛
لكن المتيقن منه الثلاثة ، وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به . قال أبو عمر بن عبد البر :
أجمع العلماء على أن يوم النحر يوم أضحى ، وأجمعوا أن لا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة ، ولا يصح عندي في هذه إلا قولان :
أحدهما : قول مالك والكوفيين . والآخر :
قول الشافعي ، والشاميين ؛ وهذان القولان مرويان عن الصحابة فلا معنى للاشتغال بما خالفهما ؛
لأن ما خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة ، وما خرج عن هذين فمتروك لهما . وقد روي عن قتادة قول سادس ،
وهو أن الأضحى يوم النحر وستة أيام بعده ؛ وهذا أيضا خارج عن قول الصحابة فلا معنى له .السادسة : واختلفوا في ليالي النحر هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أو لا ؟ فروي عن مالك في المشهور أنها لا تدخل فلا يجوز الذبح بالليل .
وعليه جمهور أصحابه وأصحاب الرأي ؛ لقوله تعالى : ويذكروا اسم الله في أيام فذكر الأيام ،
وذكر الأيام دليل على أن الذبح في الليل لا يجوز . وقال أبو حنيفة ، والشافعي ،
وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور :
الليالي داخلة في الأيام ويجزي الذبح فيها . وروي عن مالك ، وأشهب نحوه ،
ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية ، فأجاز الهدي ليلا ولم يجز الضحية ليلا .السابعة : قوله تعالى :
على ما رزقهم أي على ذبح ما رزقهم . من بهيمة الأنعام والأنعام هنا الإبل والبقر والغنم . وبهيمة الأنعام هي الأنعام ،
فهو كقولك : صلاة الأولى ، ومسجد الجامع .الثامنة :
فكلوا منها أمر معناه الندب عند الجمهور . ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بالأكثر ، مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل الكل .
وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية . ولقوله - عليه السلام - : فكلوا وادخروا وتصدقوا .
قال الكيا : قوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ولا التصدق بجميعه .التاسعة :
دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها . ومشهور مذهب مالك - رضي الله عنه - أنه لا يأكل من ثلاث : جزاء الصيد ،
ونذر المساكين ، وفدية الأذى ، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله واجبا كان أو تطوعا ،
ووافقه على ذلك جماعة من السلف ، وفقهاء الأمصار .العاشرة : فإن أكل مما منع منه فهل يغرم قدر ما أكل أو يغرم هديا كاملا ؛
قولان في مذهبنا ، وبالأول قال ابن الماجشون . قال ابن العربي :
وهو الحق ، لا شيء عليه غيره . وكذلك لو نذر هديا للمساكين فيأكل منه بعد أن بلغ محله لا يغرم إلا ما أكل - خلافا للمدونة - لأن النحر قد وقع ،
والتعدي إنما هو على اللحم ، فيغرم قدر ما تعدى فيه .قوله تعالى : وليوفوا نذورهم يدل على وجوب إخراج النذر إن كان دما أو هديا أو غيره ،
ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل منه وفاء بالنذر ، وكذلك جزاء الصيد وفدية الأذى ؛ لأن المطلوب أن يأتي به كاملا من غير نقص لحم ولا غيره ،
فإن أكل من ذلك كان عليه هدي كامل . والله أعلم .الحادية عشرة : هل يغرم قيمة اللحم أو يغرم طعاما ؛
ففي كتاب محمد ، عن عبد الملك أنه يغرم طعاما . والأول أصح ؛
لأن الطعام إنما هو في مقابلة الهدي كله عند تعذره عبادة ، وليس حكم التعدي حكم العبادة .الثانية عشرة : فإن عطب من هذا الهدي المضمون الذي هو جزاء الصيد ،
وفدية الأذى ، ونذر المساكين شيء قبل محله أكل منه صاحبه ، وأطعم منه الأغنياء ،
والفقراء ، ومن أحب ، ولا يبيع من لحمه ،
ولا جلده ، ولا من قلائده شيئا . قال إسماعيل بن إسحاق :
لأن الهدي المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ محله كان عليه بدله ، ولذلك جاز أن يأكل منه صاحبه ويطعم . فإذا عطب الهدي التطوع قبل أن يبلغ محله لم يجز أن يأكل منه ولا يطعم ؛
لأنه لما لم يكن عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدي وينحر من غير أن يعطب ، فاحتيط على الناس ، وبذلك مضى العمل .
وروى أبو داود ، عن ناجية الأسلمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث معه بهدي ، وقال :
إن عطب منها شيء فانحره ، ثم اصبغ نعله في دمه ، ثم خل بينه وبين الناس .
وبهذا الحديث قال مالك ، والشافعي في أحد قوليه ، وأحمد ،
وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ومن اتبعهم في الهدي التطوع :
لا يأكل منها سائقها شيئا ، ويخلى بينها وبين الناس يأكلونها . وفي صحيح مسلم :
ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك . وبظاهر هذا النهي قال ابن عباس ، والشافعي في قوله الآخر ،
واختاره ابن المنذر ، فقالا : لا يأكل منها ولا أحد من أهل رفقته .
قال أبو عمر : قوله - عليه السلام - : ولا يأكل منها أحد ولا أحد من أهل رفقتك لا يوجد إلا في حديث ابن عباس .
وليس ذلك في حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن ناجية .
وهو عندنا أصح من حديث ابن عباس ، وعليه العمل عند الفقهاء . ويدخل في قوله - عليه السلام - :
خل بينها وبين الناس أهل رفقته ، وغيرهم . وقال الشافعي ،
وأبو ثور : ما كان من الهدي أصله واجبا فلا يأكل منه ، وما كان تطوعا ونسكا أكل منه ،
وأهدى ، وادخر ، وتصدق .
والمتعة والقران عنده نسك . ونحوه مذهب الأوزاعي . وقال أبو حنيفة وأصحابه :
يأكل من هدي المتعة والتطوع ، ولا يأكل مما سوى ذلك مما وجب بحكم الإحرام . وحكي عن مالك :
لا يأكل من دم الفساد . وعلى قياس هذا لا يأكل من دم الجبر ؛ كقول الشافعي ،
والأوزاعي ، . تمسك مالك بأن جزاء الصيد جعله الله للمساكين بقوله تعالى :
أو كفارة طعام مساكين . وقال في فدية الأذى : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك .
وقال : صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة : أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين ،
أو صم ثلاثة أيام ، أو انسك شاة . ونذر المساكين مصرح به ،
وأما غير ذلك من الهدايا فهو باق على أصل قوله : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله إلى قوله : فكلوا منها .
وقد أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلي - رضي الله عنه - من الهدي الذي جاء به وشربا من مرقه . وكان - عليه السلام - قارنا في أصح الأقوال والروايات ؛ فكان هديه على هذا واجبا ،
فما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح . والله أعلم .وإنما أذن الله سبحانه من الأكل من الهدايا لأجل أن العرب كانت لا ترى أن تأكل من نسكها ، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمخالفتهم ؛
فلا جرم كذلك شرع وبلغ ، وكذلك فعل حين أهدى وأحرم - صلى الله عليه وسلم - .الثالثة عشرة : فكلوا منها قال بعض العلماء :
قوله تعالى : فكلوا منها ناسخ لفعلهم ، لأنهم كانوا يحرمون لحوم الضحايا على أنفسهم ولا يأكلون منها - كما قلناه في الهدايا - فنسخ الله ذلك بقوله :
فكلوا منها وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : من ضحى فليأكل من أضحيته ولأنه - عليه السلام - أكل من أضحيته وهديه . وقال الزهري :
من السنة أن تأكل أولا من الكبد .الرابعة عشرة : ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ، ويطعم الثلث ،
ويأكل هو وأهله الثلث . وقال ابن القاسم ، عن مالك :
ليس عندنا في الضحايا قسم معلوم موصوف . قال مالك في حديثه : وبلغني عن ابن مسعود ،
وليس عليه العمل . روى الصحيح وأبو داود قال : ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاة ثم قال :
يا ثوبان ، أصلح لحم هذه الشاة قال : فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة .
وهذا نص في الفرض . واختلف قول الشافعي ؛ فمرة قال :
يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير فذكر شخصين . وقال مرة :
يأكل ثلثا ، ويهدي ثلثا ، ويطعم ثلثا ،
لقوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر فذكر ثلاثة .الخامسة عشرة : المسافر يخاطب بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر ؛
إذ الأصل عموم الخطاب بها ، وهو قول كافة العلماء . وخالف في ذلك أبو حنيفة ،
والنخعي ، وروي عن علي ؛ والحديث حجة عليهم .
واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنى ، فلم ير عليه أضحية ، وبه قال النخعي .
وروي ذلك عن الخليفتين أبي بكر ، وعمر ، وجماعة من السلف - رضي الله عنهم - ؛
لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي . فإذا أراد أن يضحي جعله هديا ، والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منى فيحصل لهم حظ من أجرهم .السادسة عشرة :
اختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال . روي عن علي ، وابن عمر - رضي الله عنهما - من وجه صحيح أنه لا يدخر من الضحايا بعد ثلاث .
وروياه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وسيأتي . وقالت جماعة :
ما روي من النهي عن الادخار منسوخ ؛ فيدخر إلى أي وقت أحب . وبه قال أبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي ،
وقالت فرقة : يجوز الأكل منها مطلقا . وقالت طائفة :
إن كانت بالناس حاجة إليها فلا يدخر ، لأن النهي إنما كان لعلة وهي قوله - عليه السلام - : إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدم لارتفاع موجبه ،
لا لأنه منسوخ . وتنشأ هنا مسألة أصولية وهي :السابعة عشرة : وهي الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ورفعه لارتفاع علته .
اعلم أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدا ، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة ؛ فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى ؛
ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - .الثامنة عشرة : الأحاديث الواردة في هذا الباب بالمنع والإباحة صحاح ثابتة . وقد جاء المنع ،
والإباحة معا ؛ كما هو منصوص في حديث عائشة ، وسلمة بن الأكوع ،
وأبي سعيد الخدري رواها الصحيح . وروى الصحيح عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب قال : ثم صليت العيد مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ؛
قال : فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوها .
وروي عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث . قال سالم : فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث .
وروى أبو داود ، عن نبيشة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
إنا كنا نهيناكم عن لحومها فوق ثلاث لكي تسعكم جاء الله بالسعة فكلوا ، وادخروا ، واتجروا إلا أن هذه الأيام أيام أكل ،
وشرب ، وذكر لله - عز وجل - . قال أبو جعفر النحاس :
وهذا القول أحسن ما قيل في هذا حتى تتفق الأحاديث ولا تتضاد ، ويكون قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وعثمان محصور ،
لأن الناس كانوا في شدة محتاجين ، ففعل كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدمت الدافة . والدليل على هذا ما حدثنا إبراهيم بن شريك ،
قال : حدثنا أحمد ، قال :
حدثنا ليث ، قال : حدثني الحارث بن يعقوب ،
عن يزيد بن أبي يزيد ، عن امرأته أنها سألت عائشة - رضي الله عنها - عن لحوم الأضاحي ، فقالت :
قدم علينا علي بن أبي طالب من سفر فقدمنا إليه منه ، فأبى أن يأكل حتى يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسأله فقال :
كل من ذي الحجة إلى ذي الحجة . وقال الشافعي : من قال بالنهي عن الادخار بعد ثلاث لم يسمع الرخصة .
ومن قال بالرخصة مطلقا لم يسمع النهي عن الادخار . ومن قال بالنهي والرخصة سمعهما جميعا فعمل بمقتضاهما . والله أعلم .
وسيأتي في سورة ( الكوثر ) الاختلاف في وجوب الأضحية ، وندبيتها ، وأنها ناسخة لكل ذبح تقدم ،
إن شاء الله تعالى .التاسعة عشرة : قوله تعالى : وأطعموا البائس الفقير الفقير من صفة البائس ،
وهو الذي ناله البؤس وشدة الفقر ؛ يقال : بئس يبأس بأسا إذا افتقر ؛
فهو بائس . وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم يكن فقيرا ؛ ومنه قوله - عليه السلام - :
( لكن البائس سعد بن خولة ) . ويقال : رجل بئيس أي شديد .
وقد بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد ؛ ومنه قوله تعالى : وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس أي شديد .
وكلما كان التصدق بلحم الأضحية أكثر كان الأجر أوفر . وفي القدر الذي يجوز أكله خلاف قد ذكرناه ؛ فقيل النصف ؛
لقوله : ( فكلوا ) ، ( وأطعموا ) وقيل الثلثان ؛
لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ألا فكلوا ، وادخروا ،
واتجروا أي اطلبوا الأجر بالإطعام . واختلف في الأكل والإطعام ؛ فقيل واجبان .
وقيل مستحبان . وقيل بالفرق بين الأكل والإطعام ؛ فالأكل مستحب والإطعام واجب ؛
وهو قول الشافعي .