وإني اخترتك يا موسى لرسالتي، فاستمع لما يوحى إليك مني.
تفسير سورة طه - الآية 13
وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا یُوحَىٰۤ
التفاسير العلمية(8)
«وأنا اخترتك» من قومك «فاستمع لما يُوحى» إليك مني.
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي: تخيرتك واصطفيتك من الناس، وهذه أكبر نعمة ومنة أنعم الله بها عليه،
تقتضي من الشكر ما يليق بها، ولهذا قال: فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى أي:
ألق سمعك للذي أوحي إليك، فإنه حقيق بذلك، لأنه أصل الدين ومبدأه،
وعماد الدعوة الإسلامية.
وقوله : ( وأنا اخترتك ) كقوله ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) [ الأعراف : 144 ] أي :
على جميع الناس من الموجودين في زمانه .و قد قيل : إن الله تعالى قال : يا موسى ،
أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس ؟ قال : لا . قال :
لأني لم يتواضع لي أحد تواضعك .وقوله : ( فاستمع لما يوحى ) أي : اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أى: اصطفيتك من بين أفراد قومك لحمل رسالتي، وتبليغ دعوتي فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إليك منى،
ونفذ ما آمرك به.
( وأنا اخترتك ) اصطفيتك برسالاتي ، قرأ حمزة : " وأنا " مشددة النون ،
" اخترناك " على التعظيم . ( فاستمع لما يوحى ) إليك :
قوله تعالى : وأنا اخترتك أي اصطفيتك للرسالة . وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم والكسائي ( وأنا اخترتك ) .
وقرأ حمزة ( وأنا اخترناك ) . والمعنى واحد إلا أن وأنا اخترتك هاهنا أولى من جهتين : إحداهما أنها أشبه بالخط ،
والثانية أنها أولى بنسق الكلام ؛ لقوله - عز وجل - : يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك وعلى هذا النسق جرت المخاطبة ؛
قاله النحاس .قوله تعالى : فاستمع لما يوحى فيه مسألة واحدة : قال ابن عطية :
وحدثني أبي - رحمه الله - قال : سمعت أبا الفضل الجوهري رحمه الله تعالى يقول : لما قيل لموسى صلوات الله وسلامه عليه :
فاستمع لما يوحى وقف على حجر ، واستند إلى حجر ، ووضع يمينه على شماله ،
وألقى ذقنه على صدره ، ووقف يستمع ، وكان كل لباسه صوفا .قلت :
حسن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه فقال : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وذم على خلاف هذا الوصف فقال : نحن أعلم بما يستمعون به الآية .
فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل ، وأمر عباده بذلك أدبا لهم ، فقال :
وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون وقال هاهنا : فاستمع لما يوحى لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى . روي عن وهب بن منبه أنه قال :
من أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر ، والإصغاء بالسمع ، وحضور العقل ،
والعزم على العمل ، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى ؛ وهو أن يكف العبد جوارحه ،
ولا يشغلها . فيشتغل قلبه عما يسمع ، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى ،
ويحصر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه ، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم . وقال سفيان بن عيينة أول العلم الاستماع ،
ثم الفهم ، ثم الحفظ ، ثم العمل ،
ثم النشر ؛ فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه - عليه الصلاة والسلام - بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب ، وجعل له في قلبه نورا .
القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القرّاء الذين قرءوا " وأنَّا " بتشديد النون،
و (أنا) بفتح الألف من " أنا " ردّا على: نودي يا موسى، كأن معنى الكلام عندهم:
نودي يا موسى إني أنا ربك، وأنا اخترتك، وبهذه القراءة قرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة.
وأما عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة فقرءوه: (وأنا اخْتَرْتُكَ) بتخفيف النون على وجه الخبر من الله عن نفسه أنه اختاره.قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال:
إنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما قرّاء أهل العلم بالقرآن، مع اتفاق معنييهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه،
وتأويل الكلام: نودي أنَّا اخترناك. فاجتبيناك لرسالتنا إلى من نرسلك إليه ( فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ) يقول:
فاستمع لوحينا الذي نوحيه إليك وعه، واعمل به.