العودة للسورة طه

تفسير سورة طه - الآية 13

السورة 20
الآية 13
135 آيات
13

وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا یُوحَىٰۤ

التفاسير العلمية(8)

|

وإني اخترتك يا موسى لرسالتي، فاستمع لما يوحى إليك مني.

«وأنا اخترتك» من قومك «فاستمع لما يُوحى» إليك مني.

وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي: تخيرتك واصطفيتك من الناس، وهذه أكبر نعمة ومنة أنعم الله بها عليه،

تقتضي من الشكر ما يليق بها، ولهذا قال: فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى أي:

ألق سمعك للذي أوحي إليك، فإنه حقيق بذلك، لأنه أصل الدين ومبدأه،

وعماد الدعوة الإسلامية.

وقوله : ( وأنا اخترتك ) كقوله ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) [ الأعراف : 144 ] أي :

على جميع الناس من الموجودين في زمانه .و قد قيل : إن الله تعالى قال : يا موسى ،

أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس ؟ قال : لا . قال :

لأني لم يتواضع لي أحد تواضعك .وقوله : ( فاستمع لما يوحى ) أي : اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك

وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أى: اصطفيتك من بين أفراد قومك لحمل رسالتي، وتبليغ دعوتي فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إليك منى،

ونفذ ما آمرك به.

( وأنا اخترتك ) اصطفيتك برسالاتي ، قرأ حمزة : " وأنا " مشددة النون ،

" اخترناك " على التعظيم . ( فاستمع لما يوحى ) إليك :

قوله تعالى : وأنا اخترتك أي اصطفيتك للرسالة . وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم والكسائي ( وأنا اخترتك ) .

وقرأ حمزة ( وأنا اخترناك ) . والمعنى واحد إلا أن وأنا اخترتك هاهنا أولى من جهتين : إحداهما أنها أشبه بالخط ،

والثانية أنها أولى بنسق الكلام ؛ لقوله - عز وجل - : يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك وعلى هذا النسق جرت المخاطبة ؛

قاله النحاس .قوله تعالى : فاستمع لما يوحى فيه مسألة واحدة : قال ابن عطية :

وحدثني أبي - رحمه الله - قال : سمعت أبا الفضل الجوهري رحمه الله تعالى يقول : لما قيل لموسى صلوات الله وسلامه عليه :

فاستمع لما يوحى وقف على حجر ، واستند إلى حجر ، ووضع يمينه على شماله ،

وألقى ذقنه على صدره ، ووقف يستمع ، وكان كل لباسه صوفا .قلت :

حسن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه فقال : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وذم على خلاف هذا الوصف فقال : نحن أعلم بما يستمعون به الآية .

فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل ، وأمر عباده بذلك أدبا لهم ، فقال :

وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون وقال هاهنا : فاستمع لما يوحى لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى . روي عن وهب بن منبه أنه قال :

من أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر ، والإصغاء بالسمع ، وحضور العقل ،

والعزم على العمل ، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى ؛ وهو أن يكف العبد جوارحه ،

ولا يشغلها . فيشتغل قلبه عما يسمع ، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى ،

ويحصر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه ، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم . وقال سفيان بن عيينة أول العلم الاستماع ،

ثم الفهم ، ثم الحفظ ، ثم العمل ،

ثم النشر ؛ فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه - عليه الصلاة والسلام - بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب ، وجعل له في قلبه نورا .

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القرّاء الذين قرءوا " وأنَّا " بتشديد النون،

و (أنا) بفتح الألف من " أنا " ردّا على: نودي يا موسى، كأن معنى الكلام عندهم:

نودي يا موسى إني أنا ربك، وأنا اخترتك، وبهذه القراءة قرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة.

وأما عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة فقرءوه: (وأنا اخْتَرْتُكَ) بتخفيف النون على وجه الخبر من الله عن نفسه أنه اختاره.قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال:

إنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما قرّاء أهل العلم بالقرآن، مع اتفاق معنييهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه،

وتأويل الكلام: نودي أنَّا اخترناك. فاجتبيناك لرسالتنا إلى من نرسلك إليه ( فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ) يقول:

فاستمع لوحينا الذي نوحيه إليك وعه، واعمل به.