القول في تأويل قوله تعالى ذكره : ( أو كصيب من السماء )قال أبو جعفر : والصيب الفيعل من قولك :
صاب المطر يصوب صوبا ، إذا انحدر ونزل ، كما قال الشاعر :فلست لإنسي ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوبوكما قال علقمة بن عبدة :كأنهم صابت عليهم سحابة صواعقها لطيرهن دبيب[ ص:
334 ] فلا تعدلي بيني وبين مغمر ، سقيت روايا المزن حين تصوبيعني : حين تنحدر .
وهو في الأصل " صيوب " ولكن الواو لما سبقتها ياء ساكنة ، صيرتا جميعا ياء مشددة ، كما قيل :
سيد ، من ساد يسود ، وجيد ،
من جاد يجود . وكذلك تفعل العرب بالواو إذا كانت متحركة وقبلها ياء ساكنة ، تصيرهما جميعا ياء مشددة .وبما قلنا من القول في ذلك قال أهل التأويل .ذكر من قال ذلك :405 - حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي ،
قال : حدثنا محمد بن عبيد ، قال :
حدثنا هارون بن عنترة ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله " أو كصيب من السماء " قال :
القطر .406 - حدثني عباس بن محمد ، قال : حدثنا حجاج ،
قال : قال ابن جريج ، قال لي عطاء :
الصيب ، المطر .407 - حدثني المثنى ، قال :
حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ،
عن علي ، عن ابن عباس قال : الصيب ،
المطر .408 - حدثني موسى ، قال : حدثنا عمرو ،
قال : حدثنا أسباط ، عن [ ص:
335 ] السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ،
عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ،
وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : الصيب ، المطر .409 - حدثني محمد بن سعد ،
قال : حدثني أبي سعد ، قال :
حدثني عمي الحسين ، عن أبيه ، عن جده ،
عن ابن عباس ، مثله .410 - وحدثنا بشر بن معاذ ، قال :
حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة :
" أو كصيب " يقول : المطر .411 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال :
أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أنبأنا معمر ،
عن قتادة ، مثله .412 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي ، وعمرو بن علي ،
قالا حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ،
عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : الصيب الربيع .413 - حدثني المثنى ،
قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال :
حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
الصيب ، المطر .414 - حدثني المثنى ، قال :
حدثنا إسحاق ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ،
عن الربيع بن أنس : الصيب ، المطر .415 - حدثت عن المنجاب ،
قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ،
عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال :
الصيب المطر .416 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ،
قال : قال عبد الرحمن بن زيد : " أو كصيب من السماء " قال :
أو كغيث من السماء .417 - حدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، قال : قال سفيان :
الصيب ، الذي فيه المطر . [ ص:
336 ]418 - حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا معاوية ،
قال : حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ،
في قوله : " أو كصيب من السماء " قال : المطر .قال أبو جعفر :
وتأويل ذلك : مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام مع استسرارهم الكفر مثل إضاءة موقد نار بضوء ناره ، على ما وصف جل ثناؤه من صفته ،
أو كمثل مطر مظلم ودقه تحدر من السماء ، تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة . وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه .فإن قال لنا قائل :
أخبرنا عن هذين المثلين : أهما مثلان للمنافقين ، أو أحدهما ؟ فإن يكونا مثلين للمنافقين ،
فكيف قيل : " أو كصيب " و " أو " تأتي بمعنى الشك في الكلام ، ولم يقل " وكصيب " بالواو التي تلحق المثل الثاني بالمثل الأول ؟ أو يكون مثل القوم أحدهما ،
فما وجه ذكر الآخر ب " أو " ؟ وقد علمت أن " أو " إذا كانت في الكلام فإنما تدخل فيه على وجه الشك من المخبر فيما أخبر عنه ، كقول القائل : " لقيني أخوك أو أبوك " وإنما لقيه أحدهما ،
ولكنه جهل عين الذي لقيه منهما ، مع علمه أن أحدهما قد لقيه . وغير جائز فيه الله جل ثناؤه أن يضاف إليه الشك في شيء ،
أو عزوب علم شيء عنه ، فيما أخبر أو ترك الخبر عنه .قيل له : إن الأمر في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه .
و " أو " - وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشك - فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدل عليه الواو ، إما بسابق من الكلام قبلها ، وإما بما يأتي بعدها ،
كقول توبة بن الحمير :وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها[ ص: 337 ]ومعلوم أن ذلك من توبة على غير وجه الشك فيما قال ، ولكن لما كانت " أو " في هذا الموضع دالة على مثل الذي كانت تدل عليه " الواو " لو كانت مكانها ،
وضعها موضعها ، وكذلك قول جرير :نال الخلافة أو كانت له قدرا ، كما أتى ربه موسى على قدروكما قال الآخر :فلو كان البكاء يرد شيئا بكيت على بجير أو عفاقعلى المرأين إذ مضيا جميعا لشأنهما ،
بحزن واشتياقفقد دل بقوله " على المرأين إذ مضيا جميعا " أن بكاءه الذي أراد أن يبكيه لم يرد أن يقصد به أحدهما دون الآخر ، بل أراد أن يبكيهما جميعا . فكذلك ذلك في قول الله جل ثناؤه " أو كصيب من السماء " لما كان معلوما أن " أو " دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه " الواو " لو كانت مكانها - كان سواء نطق فيه ب " أو " أو ب " الواو " وكذلك وجه حذف " المثل " من قوله " أو كصيب " لما كان قوله :
[ ص: 338 ] " كمثل الذي استوقد نارا " دالا على أن معناه : كمثل صيب ،
حذف " المثل " واكتفى بدلالة ما مضى من الكلام في قوله : " كمثل الذي استوقد نارا " على أن معناه : أو كمثل صيب ،
من إعادة ذكر المثل ؛ طلب الإيجاز والاختصار .القول في تأويل قوله جل ثناؤه : ( فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ( 19 ) )قال أبو جعفر :
فأما الظلمات ، فجمع ، واحدها ظلمة .أما الرعد ،
فإن أهل العلم اختلفوا فيه :فقال بعضهم : هو ملك يزجر السحاب .ذكر من قال ذلك :419 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال :
حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ،
عن الحكم ، عن مجاهد ، قال :
الرعد ، ملك يزجر السحاب بصوته .420 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال :
حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم ،
عن مجاهد ، مثله .421 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال :
حدثنا فضيل بن عياض ، عن ليث ، عن مجاهد ،
مثله .422 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشيم قال :
أنبأنا إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح ، قال :
الرعد ، ملك من الملائكة يسبح . [ ص:
339 ]423 - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي ، قال : حدثنا محمد بن يعلى ،
عن أبي الخطاب البصري ، عن شهر بن حوشب ، قال :
الرعد ، ملك موكل بالسحاب يسوقه ، كما يسوق الحادي الإبل ،
يسبح . كلما خالفت سحابة سحابة صاح بها ، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه ،
فهي الصواعق التي رأيتم .424 - حدثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ،
عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ،
قال : الرعد ، ملك من الملائكة اسمه الرعد ،
وهو الذي تسمعون صوته .425 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد ،
قال : حدثنا عبد الملك بن حسين ، عن السدي ،
عن أبي مالك ، عن ابن عباس ، قال :
الرعد ، ملك يزجر السحاب بالتسبيح والتكبير .426 - وحدثنا الحسن بن محمد ، قال :
حدثنا علي بن عاصم ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ،
عن ابن عباس ، قال : الرعد اسم ملك ،
وصوته هذا تسبيحه ، فإذا اشتد زجره السحاب ، اضطرب السحاب واحتك .
فتخرج الصواعق من بينه .427 - حدثنا الحسن ، قال : حدثنا عفان .
قال : حدثنا أبو عوانة ، عن [ ص:
340 ] موسى البزار ، عن شهر بن حوشب ، عن ابن عباس ،
قال : الرعد ملك يسوق السحاب بالتسبيح ، كما يسوق الحادي الإبل بحدائه .428 - حدثنا الحسن بن محمد ،
قال : حدثنا يحيى بن عباد ، وشبابة ،
قالا حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ،
قال : الرعد ملك يزجر السحاب .429 - حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال :
حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا عتاب بن زياد ،
عن عكرمة ، قال : الرعد ملك في السحاب ،
يجمع السحاب كما يجمع الراعي الإبل .430 - وحدثنا بشر ، قال : حدثنا سعيد ،
عن قتادة ، قال : الرعد خلق من خلق الله جل وعز ،
سامع مطيع لله جل وعز .431 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ،
قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ،
عن عكرمة ، قال : إن الرعد ملك يؤمر بإزجاء السحاب فيؤلف بينه ،
فذلك الصوت تسبيحه .432 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ،
قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ،
عن مجاهد ، قال : الرعد ملك .433 - وحدثني المثنى ،
قال : حدثنا الحجاج بن المنهال ، قال :
حدثنا حماد بن سلمة ، عن المغيرة بن سالم ، عن أبيه ،
أو غيره ، أن علي بن أبي طالب قال : الرعد ملك .434 - حدثنا المثنى ،
قال : حدثنا حجاج ، قال :
حدثنا حماد ، قال : أخبرنا موسى بن سالم أبو جهضم ،
مولى ابن عباس ، قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد ،
فقال : الرعد ملك . [ ص:
341 ]435 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم ،
قال : حدثنا عمر بن الوليد الشني ، عن عكرمة ،
قال : الرعد ملك يسوق السحاب كما يسوق الراعي الإبل .436 - حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال :
حدثنا حفص بن عمر ، قال : حدثنا الحكم بن أبان ،
عن عكرمة ، قال : كان ابن عباس إذا سمع الرعد ،
قال : سبحان الذي سبحت له ، قال :
وكان يقول : إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه .وقال آخرون : إن الرعد ريح تختنق تحت السحاب فتصاعد ،
فيكون منه ذلك الصوت .ذكر من قال ذلك :437 - حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ،
قال : حدثنا بشر بن إسماعيل ، عن أبي كثير ،
قال : كنت عند أبي الجلد ، إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه ،
فكتب إليه : " كتبت تسألني عن الرعد ، فالرعد الريح .438 - حدثني إبراهيم بن عبد الله ،
قال : حدثنا عمران بن ميسرة ، قال :
حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن بن الفرات ، عن أبيه قال :
كتب ابن عباس [ ص: 342 ] إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد ، فقال :
الرعد ريح .قال أبو جعفر : فإن كان الرعد ما ذكره ابن عباس ومجاهد ، فمعنى الآية :
أو كصيب من السماء فيه ظلمات وصوت رعد . لأن الرعد إن كان ملكا يسوق السحاب ، فغير كائن في الصيب ،
لأن الصيب إنما هو ما تحدر من صوب السحاب ، والرعد إنما هو في جو السماء يسوق السحاب . على أنه لو كان فيه ثم لم يكن له صوت مسموع ،
فلم يكن هنالك رعب يرعب به أحد ، لأنه قد قيل : إن مع كل قطرة من قطر المطر ملكا ،
فلا يعدو الملك الذي اسمه " الرعد " لو كان مع الصيب ، إذا لم يكن مسموعا صوته ، أن يكون كبعض تلك الملائكة التي تنزل مع القطر إلى الأرض ،
في أن لا رعب على أحد بكونه فيه . فقد علم - إذ كان الأمر على ما وصفنا من قول ابن عباس - أن معنى الآية : أو كمثل غيث تحدر من السماء فيه ظلمات وصوت رعد ،
إن كان الرعد هو ما قاله ابن عباس ، وأنه استغنى بدلالة ذكر الرعد باسمه على المراد في الكلام من ذكر صوته . وإن كان الرعد ما قاله أبو الجلد فلا شيء في قوله :
" فيه ظلمات ورعد " متروك . لأن معنى الكلام حينئذ : فيه ظلمات ورعد الذي هو ما وصفنا صفته .وأما البرق ،
فإن أهل العلم اختلفوا فيه : فقال بعضهم بما :439 - حدثنا مطر بن محمد الضبي ، قال :
حدثنا أبو عاصم ، - ح - وحدثني محمد بن بشار ، قال :
حدثني عبد الرحمن بن مهدي ، - ح - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال :
حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قالوا جميعا : حدثنا سفيان الثوري ،
عن سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن أشوع ، عن ربيعة [ ص:
343 ] بن الأبيض ، عن علي ، قال :
البرق مخاريق الملائكة .440 - حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ،
قال : حدثنا عبد الملك بن الحسين ، عن أبي مالك ،
عن السدي ، عن ابن عباس : البرق مخاريق بأيدي الملائكة ،
يزجرون بها السحاب .441 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا الحجاج ،
قال : حدثنا حماد ، عن المغيرة بن سالم ،
عن أبيه ، أو غيره ، أن علي بن أبي طالب قال :
الرعد الملك ، والبرق ضربه السحاب بمخراق من حديد .وقال آخرون : هو سوط من نور يزجي به الملك السحاب .ذكر من قال ذلك :442 - حدثت عن المنجاب بن الحارث ،
قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ،
عن الضحاك ، عن ابن عباس ، بذلك .وقال آخرون :
هو ماء .ذكر من قال ذلك :443 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ،
قال : حدثنا بشر بن إسماعيل ، عن أبي كثير ،
قال : كنت عند أبي الجلد ، إذ جاء رسول ابن عباس بكتاب إليه ،
فكتب إليه : " كتبت إلي تسألني عن البرق ، فالبرق الماء "444 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله ،
قال : حدثنا عمران بن ميسرة ، قال :
حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن بن الفرات ، عن أبيه ،
قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن البرق ، فقال :
البرق ماء . [ ص: 344 ]445 - حدثنا ابن حميد ،
قال : حدثنا جرير ، عن عطاء ،
عن رجل ، من أهل البصرة من قرائهم ، قال :
كتب ابن عباس إلى أبي الجلد - رجل من أهل هجر - يسأله عن البرق ، فكتب إليه : " كتبت إلي تسألني عن البرق ،
وإنه من الماء "وقال آخرون : هو مصع ملك .446 - حدثنا محمد بن بشار ، قال :
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ،
عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد ، قال :
البرق ، مصع ملك .447 - حدثني المثنى ، قال :
حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا هشام ،
عن محمد بن مسلم الطائفي ، قال : بلغني أن البرق ملك له أربعة أوجه ،
وجه إنسان ، ووجه ثور ، ووجه نسر ،
ووجه أسد ، فإذا مصع بأجنحته فذلك البرق .448 - حدثنا القاسم ، قال :
حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ،
عن ابن جريج ، عن وهب بن سليمان ، عن شعيب الجبائي قال :
في كتاب الله : الملائكة حملة العرش ، لكل ملك منهم وجه إنسان وثور وأسد ،
فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق [ ص: 345 ] . وقال أمية بن أبي الصلت :رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى ،
وليث مرصد449 - حدثنا الحسين بن محمد ، قال : حدثنا علي بن عاصم ،
عن ابن جريج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس :
البرق ملك .450 - وقد حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ،
قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ،
قال : الصواعق ملك يضرب السحاب بالمخاريق ، يصيب منه من يشاء .قال أبو جعفر :
وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد . وذلك أن تكون المخاريق التي ذكر علي رضي الله عنه أنها هي البرق ، هي السياط التي هي من نور ،
التي يزجي بها الملك السحاب ، كما قال ابن عباس . ويكون إزجاء الملك بها السحاب مصعه إياه .
وذلك أن المصاع عند العرب أصله : المجالدة بالسيوف ، ثم تستعمله في كل شيء جولد به في حرب وغير حرب ،
كما قال أعشى بني ثعلبة ، وهو يصف جواري يلعبن بحليهن ويجالدن به .[ ص: 346 ]إذا هن نازلن أقرانهنوكان المصاع بما في الجونيقال منه :
ماصعه مصاعا . وكأن مجاهدا إنما قال : " مصع ملك " إذ كان السحاب لا يماصع الملك ،
وإنما الرعد هو المماصع له ، فجعله مصدرا من مصعه يمصعه مصعا .وقد ذكرنا ما في معنى " الصاعقة " ما قال شهر بن حوشب فيما مضى .وأما تأويل الآية ، فإن أهل التأويل مختلفون فيه :فروي عن ابن عباس في ذلك أقوال :
أحدها ما451 - حدثنا به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ،
قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ،
عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس :
" أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت " : أي هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل - على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم - على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب ، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت ،
يكاد البرق يخطف أبصارهم - أي لشدة ضوء الحق - كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ، أي يعرفون الحق ويتكلمون به ، فهم من قولهم به على استقامة ،
فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين .والآخر ما [ ص: 347 ]452 - حدثني به موسى بن هارون ، قال :
حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ،
عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ،
عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ،
وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق " إلى " إن الله على كل شيء قدير " أما الصيب فالمطر . كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ،
فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله ، فيه رعد شديد وصواعق وبرق ، فجعلا كلما أضاء لهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما ،
وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه ، وإذا لم يلمع لم يبصرا وقاما مكانهما لا يمشيان ، فجعلا يقولان :
ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدا فنضع أيدينا في يده ، فأصبحا فأتياه فأسلما ووضعا أيديهما في يده ، وحسن إسلامهما ،
فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة ، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أن ينزل فيهم شيء أو يذكروا بشيء فيقتلوا ،
كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما ، وإذا أضاء لهم مشوا فيه ، فإذا كثرت أموالهم ،
وولد لهم الغلمان ، وأصابوا غنيمة أو فتحا ، مشوا فيه ،
وقالوا : إن دين محمد صلى الله عليه وسلم دين صدق . فاستقاموا عليه ،
كما كان ذانك المنافقان يمشيان ، إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه ، وإذا أظلم عليهم قاموا .
فكانوا [ ص: 348 ] إذا هلكت أموالهم ، وولد لهم الجواري ،
وأصابهم البلاء ، قالوا : هذا من أجل دين محمد ،
فارتدوا كفارا ، كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما .والثالث ما453 - حدثني به محمد بن سعد ، قال :
حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ،
عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس :
" أو كصيب من السماء " كمطر ، " فيه ظلمات ورعد وبرق " إلى آخر الآية ، هو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله وعمل مراءاة للناس ،
فإذا خلا وحده عمل بغيره ، فهو في ظلمة ما أقام على ذلك . وأما الظلمات فالضلالة ،
وأما البرق فالإيمان ، وهم أهل الكتاب . [ ص:
349 ]وإذا أظلم عليهم ، فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه .والرابع ما454 - حدثني به المثنى ، قال :
حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ،
عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " أو كصيب من السماء " وهو المطر ،
ضرب مثله في القرآن يقول : " فيه ظلمات " يقول : ابتلاء ،
" ورعد " يقول فيه تخويف " وبرق يكاد البرق يخطف أبصارهم " يقول : يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين ، " كلما أضاء لهم مشوا فيه " يقول :
كلما أصاب المنافقون من الإسلام عزا اطمأنوا ، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر يقول : " وإذا أظلم عليهم قاموا " كقوله :
( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) [ سورة الحج : 11 ] .ثم اختلف سائر أهل التأويل بعد في ذلك ، نظير ما روي عن ابن عباس من الاختلاف :455 - فحدثني محمد بن عمرو الباهلي ،
قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ،
عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال :
إضاءة البرق وإظلامه ، على نحو ذلك المثل .456 - حدثني المثنى ، قال :
حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ،
عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
[ ص: 350 ]457 - حدثنا عمرو بن علي ، قال :
حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ،
عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .458 - وحدثنا بشر بن معاذ ،
قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ،
عن قتادة ، في قول الله : " فيه ظلمات ورعد وبرق " إلى قوله " وإذا أظلم عليهم قاموا " فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاء أو طمأنينة أو سلوة من عيش ،
قال : أنا معكم وأنا منكم ، وإذا أصابته شديدة حقحق والله عندها ،
فانقطع به ، فلم يصبر على بلائها ، ولم يحتسب أجرها ،
ولم يرج عاقبتها .459 - وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ،
قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة :
" فيه ظلمات ورعد وبرق " يقول : أجبن قوم لا يسمعون شيئا إلا إذا ظنوا أنهم هالكون فيه حذرا من الموت والله محيط بالكافرين ثم ضرب لهم مثلا آخر فقال : " يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه " يقول :
هذا المنافق ، إذا كثر ماله ، وكثرت ماشيته ،
وأصابته عافية قال : لم يصبني منذ دخلت في ديني هذا إلا خير " وإذا أظلم عليهم قاموا " يقول : إذا ذهبت أموالهم وهلكت مواشيهم وأصابهم البلاء ،
قاموا متحيرين .460 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ،
عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس :
" فيه ظلمات ورعد وبرق " قال : مثلهم [ ص: 351 ] كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة ،
ولها مطر ورعد وبرق على جادة ، فلما أبرقت أبصروا الجادة فمضوا فيها ، وإذا ذهب البرق تحيروا .
وكذلك المنافق ، كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له ، فإذا شك تحير ووقع في الظلمة ،
فكذلك قوله : " كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا " ثم قال : في أسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس ،
" ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم "قال أبو جعفر :461 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ،
قال : حدثنا أبو تميلة ، عن عبيد بن سليمان الباهلي ،
عن الضحاك بن مزاحم ، " فيه ظلمات " قال : أما الظلمات فالضلالة ،
والبرق الإيمان .462 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ،
قال : حدثني عبد الرحمن بن زيد في قوله : " فيه ظلمات ورعد وبرق " فقرأ حتى بلغ :
" إن الله على كل شيء قدير " قال : هذا أيضا مثل ضربه الله للمنافقين ، كانوا قد استناروا بالإسلام كما استنار هذا بنور هذا البرق .463 - حدثنا القاسم ،
قال : حدثنا الحسين ، قال :
حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج :
ليس في الأرض شيء سمعه المنافق إلا ظن أنه يراد به ، وأنه الموت ، كراهية له ،
والمنافق أكره خلق الله للموت - كما إذا كانوا بالبراز في المطر ، فروا من الصواعق .464 - حدثنا عمرو بن علي ، قال :
حدثنا أبو معاوية ، قال : حدثنا ابن جريج ،
عن عطاء في قوله : " أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق " قال : مثل ضرب للكافر .
[ ص: 352 ]وهذه الأقوال التي ذكرنا عمن رويناها عنه ، فإنها - وإن اختلفت فيها ألفاظ قائليها - متقاربات المعاني ،
لأنها جميعا تنبئ عن أن الله ضرب الصيب لظاهر إيمان المنافق مثلا ومثل ما فيه من ظلمات لضلالته ، وما فيه من ضياء برق لنور إيمانه ، واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه ،
لضعف جنانه ونخب فؤاده من حلول عقوبة الله بساحته ، ومشيه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه ، وقيامه في الظلام ،
لحيرته في ضلالته وارتكاسه في عمهه .فتأويل الآية إذا - إذ كان الأمر على ما وصفنا - أو مثل ما استضاء به المنافقون من قيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم : آمنا بالله وباليوم الآخر وبمحمد وما جاء به ، حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكام المؤمنين ،
وهم - مع إظهارهم بألسنتهم ما يظهرون - بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر ، مكذبون ، ولخلاف ما يظهرون بالألسن في قلوبهم معتقدون ،
على عمى منهم ، وجهالة بما هم عليه من الضلالة لا يدرون أي الأمرين اللذين قد شرعا لهم [ فيه ] الهداية ، أفي الكفر الذي كانوا عليه قبل إرسال الله محمدا صلى الله عليه وسلم بما أرسله به إليهم ،
أم في الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم ؟ فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وجلون ، وهم مع وجلهم من ذلك في حقيقته شاكون ، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا .
كمثل غيث سرى ليلا في مزنة ظلماء [ ص: 353 ] وليلة مظلمة يحدوها رعد ، ويستطير في حافاتها برق شديد لمعانه ،
كثير خطرانه ، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه ، وينهبط منها تارات صواعق ،
تكاد تدع النفوس من شدة أهوالها زواهق .فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق ، والظلمات التي هي فيه لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب . وأما الرعد والصواعق ،
فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في آي كتابه ، إما في العاجل وإما في الآجل ، أن يحل بهم ،
مع شكهم في ذلك : هل هو كائن أم غير كائن ؟ وهل له حقيقة أم ذلك كذب وباطل ؟ مثل . فهم من وجلهم ،
أن يكون ذلك حقا ، يتقونه بالإقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم ، مخافة على أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات ،
وذلك تأويل قوله جل ثناؤه " يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت " يعني بذلك : يتقون وعيد الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار ،
كما يتقي الخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها ، حذرا على نفسه منها .وقد ذكرنا الخبر الذي روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان : إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوا أصابعهم [ ص:
354 ] في آذانهم فرقا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء ، أو يذكروا بشيء فيقتلوا . فإن كان ذلك صحيحا - ولست أعلمه صحيحا إذ كنت بإسناده مرتابا - فإن القول الذي روي عنهما هو القول ،
وإن يكن غير صحيح ، فأولى بتأويل الآية ما قلنا ، لأن الله إنما قص علينا من خبرهم في أول مبتدأ قصتهم ،
أنهم يخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم : آمنا بالله وباليوم الآخر ، مع شك قلوبهم ومرض أفئدتهم في حقيقة ما زعموا أنهم به مؤمنون ،
مما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربهم . وبذلك وصفهم في جميع آي القرآن التي ذكر فيها صفتهم . فكذلك ذلك في هذه الآية .وإنما جعل الله إدخالهم أصابعهم في آذانهم مثلا لاتقائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما ذكرنا أنهم يتقونهم به ،
كما يتقي سامع صوت الصاعقة بإدخال أصابعه في أذنيه ، وذلك من المثل نظير تمثيل الله جل ثناؤه ما أنزل فيهم من الوعيد في آي كتابه بأصوات الصواعق . وكذلك قوله " حذر الموت " جعله جل ثناؤه مثلا لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلكهم الذي توعدوه بساحتهم كما يجعل سامع أصوات الصواعق أصابعه في أذنيه ،
حذر العطب والموت على نفسه ، أن تزهق من شدتها .وإنما نصب قوله " حذر الموت " على نحو ما تنصب به التكرمة في قولك : " زرتك تكرمة لك " تريد بذلك :
من أجل تكرمتك ، وكما قال جل ثناؤه ، ( ويدعوننا رغبا ورهبا ) [ سورة الأنبياء :
90 ] على التفسير للفعل .وقد روي عن قتادة أنه كان يتأول قوله : " حذر الموت " حذرا من الموت . [ ص:
355 ]465 - حدثنا بذلك الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزاق ،
قال : أنبأنا معمر ، عنه .وذلك مذهب من التأويل ضعيف ،
لأن القوم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حذرا من الموت ، فيكون معناه ما قال إنه يراد به ، حذرا من الموت ،
وإنما جعلوها من حذار الموت في آذانهم .وكان قتادة وابن جريج يتأولان قوله : " يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت " أن ذلك من الله جل ثناؤه صفة للمنافقين بالهلع وضعف القلوب وكراهة الموت ، ويتأولان في ذلك قوله :
( يحسبون كل صيحة عليهم ) [ سورة المنافقون ] .وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالا . وذلك أنه قد كان فيهم من لا تنكر شجاعته ولا تدفع بسالته ، كقزمان ،
الذي لم يقم مقامه أحد من المؤمنين بأحد ، أو دونه . وإنما كانت كراهتهم شهود المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وتركهم معاونته على أعدائه ، لأنهم لم يكونوا في أديانهم مستبصرين ، ولا برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقين ،
فكانوا للحضور معه مشاهده كارهين ، إلا بالتخذيل عنه . ولكن ذلك وصف من الله جل ثناؤه لهم بالإشفاق من حلول عقوبة الله بهم على نفاقهم ،
إما عاجلا وإما آجلا . ثم أخبر جل ثناؤه أن [ ص: 356 ] المنافقين - الذين نعتهم الله النعت الذي ذكر - وضرب لهم الأمثال التي وصف ،
وإن اتقوا عقابه ، وأشفقوا عذابه إشفاق الجاعل في أذنيه أصابعه حذار حلول الوعيد الذي توعدهم به في آي كتابه - غير منجيهم ذلك من نزوله بعقوتهم ، وحلوله بساحتهم ،
إما عاجلا في الدنيا ، وإما آجلا في الآخرة ، للذي في قلوبهم من مرضها ،
والشك في اعتقادها ، فقال : " والله محيط بالكافرين " بمعنى جامعهم ،
فمحل بهم عقوبته .وكان مجاهد يتأول ذلك كما :466 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم .
عن عيسى بن ميمون ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ،
في قول الله : " والله محيط بالكافرين " قال : جامعهم في جهنم .وأما ابن عباس فروي عنه في ذلك ما :467 - حدثني به ابن حميد ،
قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ،
عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس : " والله محيط بالكافرين " يقول : الله منزل ذلك بهم من النقمة .468 - حدثنا القاسم ،
قال : حدثنا الحسين ، قال :
حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ،
في قوله : " والله محيط بالكافرين " قال : جامعهم .