العودة للسورة مريم

تفسير سورة مريم - الآية 29

السورة 19
الآية 29
98 آيات
29

فَأَشَارَتۡ إِلَیۡهِۖ قَالُوا۟ كَیۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِی ٱلۡمَهۡدِ صَبِیࣰّا

التفاسير العلمية(8)

|

فأشارت مريم إلى مولودها عيسى ليسألوه ويكلموه، فقالوا منكرين عليها: كيف نكلم مَن لا يزال في مهده طفلا رضيعًا؟

«فأشارت» لهم «إليه» أن كلموه «قالوا كيف نكلم من كان» أي وجد «في المهد صبيا.

فأشارت لهم إليه، أي: كلموه.وإنما أشارت لذلك،

لأنها أمرت عند مخاطبة الناس لها، أن، تقول:

إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ْ فلما أشارت إليهم بتكليمه، تعجبوا من ذلك وقالوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ْ لأن ذلك لم تجر به عادة،

ولا حصل من أحد في ذلك السن.

وقوله : ( فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) أي : إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها ،

وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية ، وقد كانت يومها ذلك صائمة ، صامتة فأحالت الكلام عليه ،

وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه ، فقالوا متهكمين بها ، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم :

( كيف نكلم من كان في المهد صبيا )قال ميمون بن مهران : ( فأشارت إليه ) ، قالت :

كلموه . فقالوا : على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيا!وقال السدي :

لما أشارت إليه غضبوا ، وقالوا : لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها .( قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) أي :

من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره ، كيف يتكلم ؟

وهنا نجد مريم تبدأ في الدفاع عن نفسها، عن طريق وليدها فَأَشارَتْ إِلَيْهِ.أى: فأشارت إلى ابنها عيسى،

ولسان حالها يقول لهم: وجهوا كلامكم إليه فإنه سيخبركم بحقيقة الأمر.ولكنهم لم يقتنعوا بإشارتها بل قالوا لها: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا.والمهد:

اسم للمضطجع الذي يهيأ للصبي في رضاعه. وهو في الأصل مصدر مهده يمهده إذا بسطه وسواه.أى: كيف نكلم طفلا صغيرا ما زال في مهده وفي حال رضاعه.والفعل الماضي وهو كانَ هاهنا بمعنى الفعل المضارع المقترن بالحال،

كما يدل عليه سياق القصة.

( فأشارت ) مريم ( إليه ) أي : إلى عيسى عليه السلام : أن كلموه .قال ابن مسعود رضي الله عنه :

لما لم تكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها .وفي القصة : لما أشارت إليه غضب القوم ، وقالوا مع ما فعلت تسخرين بنا؟ .( قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) أي :

من هو في المهد ، وهو حجرها .وقيل : هو المهد بعينه ،

و " كان " بمعنى : هو . وقال أبو عبيدة :

" كان " صلة ، أي : كيف نكلم صبيا في المهد .

وقد يجيء " كان " حشوا في الكلام لا معنى له كقوله " هل كنت إلا بشرا رسولا " ( الإسراء : 93 ) أي : هل أنا ؟قال السدي :

فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم .وقيل : لما أشارت إليه ترك الثدي واتكأ على يساره ، وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه :

قوله تعالى : فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياقوله تعالى : فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا التزمت مريم - عليها السلام - ما أمرت به من ترك الكلام ،

ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت ب إني نذرت للرحمن صوما وإنما ورد بأنها أشارت ، فيقوى بهذا قول من قال : إن أمرها ب ( قولي ) إنما أريد به الإشارة .

ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا : استخفافها بنا أشد علينا من زناها ، ثم قالوا لها على جهة التقرير كيف نكلم من كان في المهد صبيا وكان هنا ليس يراد بها الماضي ؛

لأن كل واحد قد كان في المهد صبيا ، وإنما هي في معنى هو الآن . وقال أبو عبيدة :

كان هنا لغو ؛ كما قال :[ الفرزدق ] :وجيران لنا كانوا مراماوقيل : هي بمعنى الوجود والحدوث كقوله :

وإن كان ذو عسرة وقد تقدم . وقال ابن الأنباري : لا يجوز أن يقال :

زائدة وقد نصبت صبيا ولا أن يقال ( كان ) بمعنى حدث ، لأنه لو كانت بمعنى الحدوث والوقوع لاستغنى فيه عن الخبر ، تقول :

كان الحر وتكتفي به . والصحيح أن من في معنى الجزاء وكان بمعنى يكن ؛ التقدير :

من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه ؟ ! كما تقول : كيف أعطي من كان لا يقبل عطية ؛ أي من يكن لا يقبل .

والماضي قد يذكر بمعنى المستقبل في الجزاء ؛ كقوله تعالى : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار أي إن يشأ يجعل .

وتقول : من كان إلي منه إحسان كان إليه مني مثله ، أي من يكن منه إلي إحسان يكن إليه مني مثله .

والمهد قيل : كان سريرا كالمهد وقيل المهد هاهنا حجر الأم . وقيل :

المعنى كيف نكلم من كان سبيله أن ينوم في المهد لصغره ،

يقول تعالى ذكره: فلما قال قومها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم، ثم أشارت لهم إلى عيسى أن كلِّموه.كما حدثنا موسى،

قال: ثنا عمرو ، قال:

ثنا أسباط، عن السديّ، قال:

لما قالوا لها مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا قالت لهم ما أمرها الله به، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه، إلى عيسى.حدثنا بشر،

قال: ثنا يزيد، قال:

ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ) قال:

أمرتهم بكلامه.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة،

عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ) يقول:

أشارت إليه أن كلِّموه.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين،

قال: ثني حجاج، عن ابن جريج،

قوله ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ) أن كَلِّموه.وقوله ( قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) يقول تعالى ذكره ، قال قومها لها: كيف نكلم من وُجد في المهد؟ وكان في قوله ( مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) معناها التمام،

لا التي تقتضي الخبر، وذلك شبيه المعنى بكان التي في قوله هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا وإنما معنى ذلك: هل أنا إلا بشر رسول؟ وهل وجدت أو بعثت; وكما قال زهير بن أبي سُلْمَى:زَجَرْتُ علَيْهِ حُرَّةً أرْحَبِيَّةًوَقَدْ كَانَ لَوْنُ اللَّيْلِ مِثْلَ الأرَنْدَجِ (2)بمعنى:

وقد صار أو وُجد. وقيل: إنه عنى بالمهد في هذا الموضع:

حجر أمه.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد،

قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) والمهد:

الحجر.قال أبو جعفر: وقد بينا معنى المهد فيما مضى بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.------------------------الهوامش:(2) البيت في ( ديوان زهير بن أبي سلمى .

طبعة دار الكتب المصرية بشرح أبي العباس ثعلب ، ص 323 ) ورواية الأصل : أجرت تحريف .

وقوله عليه : على ذلك الطريق . وحرة كريمة وأرحبية :

منسوبة إلى أرحب ، وأرحب بطن من همدان ، تنسب إليهم النجائب الأرحبية ،

وقيل هو موضع . وقال الأزهري : يحتمل أن يكون أرحب فحلا تنسب إليه النجائب لأنها من نسله والأرندج واليرندج :

السواد يسود به الخف ، أو هو الجلد الأسود . أي زجرت على هذا الطريق هذه الناقة .

والليل أسود مثل الأرندج .