القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:
قال ابن نوح لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة خوفًا عليه من الغرق: ( سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) يقول: سأصير إلى جبل أتحصّن به من الماء ،
(30) فيمنعني منه أن يغرقني.* * *ويعني بقوله: (يعصمني) يمنعني، مثل " عصام القربة " ،
الذي يشدُّ به رأسها ، فيمنع الماء أن يسيل منها. (31)* * *وقوله:
(لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم)، يقول: لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك ،
إلا من رحمنا فأنقذنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم.* * *، ف " من " في موضع رفع،
لأن معنى الكلام: لا عاصم يَعصم اليوم من أمر الله إلا الله.* * *وقد اختلف أهل العربية في موضع " من " في هذا الموضع.فقال بعض نحويي الكوفة: هو في موضع نصب،
لأن المعصوم بخلاف العاصم، والمرحوم معصوم . قال:
كأن نصبه بمنزلة قوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [ سورة النساء : 157] ،
قال: ومن استجاز : اتِّبَاعَ الظَّنِّ ،
والرفع في قوله: (32)وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُإِلا الْيَعَافِيرُ وَإِلا العِيسُ (33)لم يجز له الرفع في " من "، لأن الذي قال:
" إلا اليعافير "، جعل أنيس البرِّ ، اليعافير وما أشبهها.
وكذلك قوله: إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ، يقول علمهم ظنٌّ.
قال: وأنت لا يجوز لك في وجه أن تقول: " المعصوم " هو " عاصم " في حال،
ولكن لو جعلت " العاصم " في تأويل " معصوم " ، [كأنك قلت]: " لا معصوم اليوم من أمر الله " ،
(34) لجاز رفع " من ". قال: ولا ينكر أن يخرج " المفعول " على " فاعل "،
ألا ترى قوله: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ، [سورة الطارق:
6] ، معناه ، والله أعلم :
مدفوق ، وقوله: فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ،
معناها: مرضية؟ قال الشاعر: (35)دَعِ الْمَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَاوَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي (36)ومعناه:
المكسوُّ.* * *وقال بعض نحويّي البصرة: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) ، على:
" لكن من رحم "، ويجوز أن يكون على: لا ذا عصمة:
أي : معصوم، ويكون (إلا من رحم) ،
رفعًا بدلا من " العاصم " .* * *قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه الأقوال التي حكيناها عن هؤلاء، لأن كلام الله تعالى إنما يُوَجَّه إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه ،
ما وُجِد إلى ذلك سبيل.ولم يضطرَّنا شيء إلى أن نجعل " عاصمًا " في معنى " معصوم "، ولا أن نجعل " إلا " بمعنى " لكن "، إذ كنا نجد لذلك في معناها الذي هو معناه في المشهور من كلام العرب مخرجًا صحيحًا،
وهو ما قلنا من أنَّ معنى ذلك: قال نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله ،
إلا من رحمَنا فأنجانا من عذابه، كما يقال: " لا مُنجي اليوم من عذاب الله إلا الله " ،
" ولا مطعم اليومَ من طعام زيد إلا زيد " . فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم.* * *وقوله: (وحال بينهما الموج فكان من المغرقين)،
يقول: وحال بين نوح وابنه موجُ الماء فغرق، (37) فكان ممن أهلكه بالغرق من قوم نوح صلى الله عليه وسلم.-----------------------الهوامش :(30) انظر تفسير " أوى " فيما سلف 13 :
477 ، تعليق : 2 ،
والمراجع هناك .(31) انظر تفسير " يعصم " فيما سلف 10 : 472 ، تعليق :
2 / 15 : 73 .(32) هو جران العود .(33) سلف البيت وتخريجه فيما مضى 9 : 203 .(34) الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء ،
وهو نص كلامه .(35) هو الحطيئة .(36) ديوانه : 54 ، وطبقات فحول الشعراء :
98 ، واللسان ( طعم ) ، ( كسا ) ،
ومعاني القرآن للفراء ، وغيرها كثير ، في خبره المشهور لما ذم الزبرقان ،
واستعدى عليه عمر بن الخطاب ، وقال عمر لحسان : أهجاه ؟ قال :
لا ، ولكنه ذرق عليه ! وقد فسرته على أن " الطاعم " و" الكاسي " ، على النسب ،
أي : ذو الطعام ، يشتهيه ويستجيده من شرهه ،
وذو الكسوة ، يتخيرها ويتأنق فيها ، لا هم له في المكارم .
ولذلك قال الزبرقان لعمر : أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس ! ! ومثل هذا قول عبد الرحمن بن حسان :إنِّي رأَيْتُ مِنَ المَكَارِمِ حَسْبَكُمأَن تَلْبَسُوا حُرَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا.(37) انظر تفسير " حال " فيما سلف 13 : 472 .