فالخيل اللاتي تنقدح النار من صلابة حوافرها؛ من شدَّة عَدْوها.
تفسير سورة العاديات - الآية 2
فَٱلۡمُورِیَـٰتِ قَدۡحࣰا
التفاسير العلمية(8)
«فالموريات» الخيل توري النار «قدحا» بحوافرها إذا سارت في الأرض ذات الحجارة بالليل.
فَالْمُورِيَاتِ بحوافرهن ما يطأن عليه من الأحجار قَدْحًا أي: تقدح النار من صلابة حوافرهن [وقوتهن] إذا عدون،
"فالموريات قدحا" يعني اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار.وقال أكثر هؤلاء في قوله : ( فالموريات قدحا ) يعني : بحوافرها .
وقيل : أسعرن الحرب بين ركبانهن . قاله قتادة .وعن ابن عباس ومجاهد :
( فالموريات قدحا ) يعني : مكر الرجال .وقيل : هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل .وقيل :
المراد بذلك : نيران القبائل .وقال من فسرها بالخيل : هو إيقاد النار بالمزدلفة .وقال ابن جرير :
والصواب الأول ; أنها الخيل حين تقدح بحوافرها .
والموريات : جمع مُورِيَة ، اسم فاعل من الإِيراء ،
وهو إخراج النار ، تقول : أَوْرَى فلان ،
إذا أخرج النار بزند ونحوه .والقَدْح : ضَرْب شىءٍ لكى يخرج من بينهما شرر النار .والمراد به هنا : النار التى تخرج من أثر احتكاك حوافر الخيل بالحجارة خلال عدوها بسرعة .
( فالموريات قدحا ) قال عكرمة ، وعطاء ، والضحاك ،
ومقاتل ، والكلبي ، :
هي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة . يعني : والقادحات قدحا يقدحن بحوافرهن .وقال قتادة :
هي الخيل تهيج الحرب ونار العداوة بين فرسانها .وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : هي الخيل تغزو في سبيل الله ثم تأوي بالليل [ إلى مأواها ] فيورون نارهم ، ويصنعون طعامهم .وقال مجاهد ،
وزيد بن أسلم : هي مكر الرجال ، يعني رجال الحرب ،
والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه : أما والله لأقدحن لك ثم لأورين لك .وقال محمد بن كعب : هي النيران تجتمع .
فالموريات قدحا قال عكرمة وعطاء والضحاك : هي الخيل حين توري النار بحوافرها ، وهي سنابكها ; وروي عن ابن عباس .
وعنه أيضا : أورت بحوافرها غبارا . وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدح النار ; وإنما هذا في الإبل .
وروى ابن نجيح عن مجاهد والعاديات ضبحا فالموريات قدحا قال قال ابن عباس : هو في القتال وهو في الحج . ابن مسعود :
هي الإبل تطأ الحصى ، فتخرج منها النار . وأصل القدح الاستخراج ; ومنه قدحت العين :
إذا أخرجت منها الماء الفاسد . واقتدحت بالزند . واقتدحت المرق :
غرفته . وركي قدوح : تغترف باليد .
والقديح : ما يبقى في أسفل القدر ، فيغرف بجهد .
والمقدحة : ما تقدح به النار . والقداحة والقداح :
الحجر الذي يوري النار . يقال : ورى الزند ( بالفتح ) يري وريا :
إذا خرجت ناره . وفيه لغة أخرى : وري الزند ( بالكسر ) يري فيهما .
وقد مضى هذا في سورة ( الواقعة ) . وقدحا انتصب بما انتصب به ضبحا . وقيل :
هذه الآيات في الخيل ; ولكن إيراءها : أن تهيج الحرب بين أصحابها وبين عدوهم . ومنه يقال للحرب إذا التحمت :
حمي الوطيس . ومنه قوله تعالى : كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله .
وروي معناه عن ابن عباس أيضا ، وقاله قتادة . وعن ابن عباس أيضا ،
وقاله قتادة . وعن ابن عباس أيضا : أن المراد بالموريات قدحا :
مكر الرجال في الحرب ; وقاله مجاهد وزيد بن أسلم . والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه : والله لأمكرن بك ،
ثم لأورين لك . وعن ابن عباس أيضا : هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل ،
لحاجتهم وطعامهم . وعنه أيضا : أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهابا .
وكل من قرب من العدو يوقد نيرانا كثيرة ليظنهم العدو كثيرا . فهذا إقسام بذلك . قال محمد بن كعب :
هي النار تجمع . وقيل هي أفكار الرجال توري نار المكر والخديعة .وقال عكرمة : هي ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به ،
ويظهر بها من إقامة الحجج ، وإقامة الدلائل ، وإيضاح الحق ،
وإبطال الباطل . وروى ابن جريح عن بعضهم قال : فالمنجحات أمرا وعملا ،
كنجاح الزند إذا أوري .قلت : هذه الأقوال مجاز ; ومنه قولهم : فلان يوري زناد الضلالة .
والأول : الحقيقة ، وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النار بحوافرها .
قال مقاتل : العرب تسمي تلك النار نار أبي حباحب ، وكان أبو حباحب شيخا من مضر في الجاهلية ،
من أبخل الناس ، وكان لا يوقد نارا لخبز ولا غيره حتى تنام العيون ، فيوقد نويرة تقد مرة وتخمد أخرى ; فإن استيقظ لها أحد أطفأها ،
كراهية أن ينتفع بها أحد . فشبهت العرب هذه النار بناره ; لأنه لا ينتفع بها . وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت نارا ،
فكذلك يسمونها . قال النابغة :ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائبتقد السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب
وقوله: ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا )اختلف أهل التأويل, في ذلك, فقال بعضهم: هي الخيل توري النار بحوافرها.*ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال:
ثنا ابن علية, قال: ثنا أبو رجاء, قال: سئل عكرِمة, عن قوله:
( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) قال: أورت وقدحت.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) قال:
هي الخيل; وقال الكلبي: تقدح بحوافرها حتى يخرج منها النار.حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن واصل, عن عطاء ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) قال:
أورت النار بحوافرها.حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ, يقول: ثنا عبيد, قال:
سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) توري الحجارة بحوافرها.وقال آخرون: بل معنى ذلك أن الخيل هجن الحرب بين أصحابهن وركبانهن.ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال:
ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) قال: هجن الحرب بينهم وبين عدوهم.حدثنا ابن حميد, فال:
ثنا مهران, عن سعيد, عن قتادة ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) قال: هجن الحرب بينهم وبين عدوهم.وقال آخرون: بل عني بذلك:
الذين يورون النار بعد انصرافهم من الحرب.*ذكر من قال ذلك:حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, عن أبي معاوية البجلي, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال:
سألني علي بن أبي طالب رضى الله عنه, عن (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) فقلت له: الخيل تغير في سبيل الله, ثم تأوي إلى الليل, فيصنعون طعامهم ويورون نارهم.وقال آخرون: بل معنى ذلك:
مكر الرجال.*ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبى, قال: ثني عمي, قال:
ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) قال: المكر.حدثني محمد بن عمرو, قال:
ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال:
ثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح. عن مجاهد, في قول الله: ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) قال:
مكر الرجال.وقال آخرون: هي الألسنة*ذكر من قال ذلك:حدثنا الحسن بن عرفة, قال: ثنا يونس بن محمد, قال:
ثنا حماد بن سلمة, عن سماك بن حرب, عن عكرِمة قال: يقال في هذه الآية ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) قال: هي الألسنة.وقال آخرون:
هي الإبل حين تسير تنسف بمناسمها الحصى.*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله: ( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) قال:
إذا نسفت الحصى بمناسمها, فضرب الحصى بعضه بعضا, فيخرج منه النار.وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالموريات التي توري النيران قدحا; فالخيل توري بحوافرها, والناس يورونها بالزند, واللسان - مثلا - يوري بالمنطق, والرجال يورون بالمكر - مثلا - , وكذلك الخيل تهيج الحرب بين أهلها:
إذا التقت في الحرب، ولم يضع الله دلالة على أن المراد من ذلك بعض دون بعض فكل ما أورت النار قدحا, فداخلة فيما أقسم به, لعموم ذلك بالظاهر.